عبد العزيز بن ناصر الجليل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الذي رضي لنا الإسلام ديناً , ونصب لنا الدلالة على صحته برهاناً مبيناً , وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقاً يقيناً , ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجراً جسيماً , وذخراً لمن وفاه به ثوابا جزيلا وفوزاً عظيماً , وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه , والتمسك بدعائمه وأركانه , والاعتصام بعراه وأسبابه
فهو دينه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قدسه , فبه اهتدى المهتدون وإليه دعا الأنبياء والمرسلون ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) , فلا يقبل من أحد دينا سواه من الأولين والآخرين , {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ]آل عمران:85[.
وحكم سبحانه بأنه أحسن الأديان , ولا أحسن من حكمه ولا أصدق منه قيلا فقال {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } ]النساء 125[
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , ولا ضد له , ولا ند له , ولا صاحب له , ولا ولد له , ولا كفؤ له , تعالى عن إفك المبطلين , وخرص الكاذبين , وتقدس عن شرك المشركين وأباطيل الملحدين .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفوته من خلقه وخيرته من بريته , وأمينه على وحيه , وسفيره بينه وبين عباده , ابتعثه بخير ملة و أحسن شرعة , و أظهر دلالة وأوضح حجة , وأبين برهان إلى جميع العالمين أنسهم وجنهم , عربهم وعجمهم , حاضرهم وباديهم , الذي بشرت به الكتب السالفة , وأخبرت به الرسل الماضية , وجرى ذكره في الإعصار وفي القرى الأمصار والأمم الخالية , ضربت لنبوته البشائر من عهد آدم أبي البشر , إلى عهد المسيح ابن البشر .
رضي المسلمون بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا , ورضي المخذول بالصليب والوثن إلها وبالتثليث والكفر ديناً , وبسبيل الضلال والغضب سبيلا ... ( أما بعد )
فإن من بعض حقوق الله على عبده: رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان , والسيف والسنان , والقلب والجنان , وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان ) ] اقتباساً من مقدمة كتاب (هداية الحيارى) لابن القيم رحمه الله باختصار.[
وإن ما تفوه به عابد الصليب وإمام الكفر ورئيسه في (الفاتيكان) لم يكن هو الأول من نوعه وليس غريباً أن يخرج من أفواههم النجسة مثل هذا الكلام لأنه وأمثاله قد ملئوا كفراً وحقداً وكل إناء بما فيه ينضح ومثل هذا الكفر المتجدد إنما هو زيادة في الكفر على كفرهم وإملاء من الله عز وجل لهم حتى يسرعوا إلى الأجل الذي قدره الله لهم ليقصمهم فيه ويمحقهم قال الله عزوجل {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ]آل عمران178.[
وليس الغرض من هذه الكتابة الرد على ماتفوه به إمام الكفر ومرجع النصرانية الوثنية في العالم اليوم فقد كفانا الرد على شبهاتهم أئمة الإسلام في القديم والحديث كشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه العظيم ( الجواب الصحيح ) , وتلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النفيس ( هداية الحيارى ) . هذا لو كان ما قاله رئيس الكفر ناشئاً عن جهل بالإسلام ورسول الإسلام أما وإنه يعرف حقيقة الإسلام وحقيقة نبينا صلى الله عليه وسلم كما يعرف أبناءه وما صده عن ذلك وجعله يقول ما قال إلا العناد الاستكبار فإن مثل هذا لا يستحق الرد ولا الالتفات وإنما الله عز وجل هو الذي يتولى الرد على هذا وأمثاله بما يشاء {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } ]الحج38.[
وإنما المقصود من هذه الكتابة مخاطبة إخواني المسلمين الموحدين بتوظيف هذا الحدث في التركيز والتأكيد على بعض المسائل والأصول المهمة التي يسعى أعداء هذا الدين من الكفرة والمنافقين في توهينها والتشويش عليها لعلمهم بأنها هي التي تحفظ للمسلمين كيانهم وعقيدتهم وأخلاقهم .
ويمكن الحديث عن هذه المسائل المهمة في ظل هذه الهجمة الشرسة من أئمة الكفر على ديننا حسب الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: النظر إلى هذه الأحداث في ضوء السنن الإلهية .
الوقفة الثانية: من ألطاف الله عزوجل وحكمته في هذه الأحداث .
الوقفة الثالثة: موتوا بغيظكم .
الوقفة الرابعة: رمتني بدائها وانسلت .
الوقفة الخامسة: بل انتشر الإسلام بالسيف والبيان .
الوقفة الأولى: النظر إلى هذه الأحداث في ضوء السنن الإلهية:
يقول الله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ } ]آل عمران137.[