فهرس الكتاب

الصفحة 17427 من 27364

عبد الرحمن أبو عوف 20/2/1426

لم يكن يدور بخلد الرئيس القرغيزي عسكر أكاييف أن تزوير الانتخابات البرلمانية التي جرت جولتها الأولى في السابع والعشرين من فبراير الماضي، والثاني في الـ13 من مارس سيكون بداية النهاية لنظامه .. فإصرار أكاييف على ضرورة سيطرته التامة على البرلمان، والتزوير الفاضح الذي شاب العملية الانتخابية لصالح ابنه وابنته الموالين له، أنهى إلى الأبد سطوته على الحياة السياسية في قرغيزستان، والتي بدأت عام 1990 وانتهت إلى كازاخستان المجاورة، وهو التاريخ الذي شهد اعتلاء أكاييف - وهو أكاديمي متخصص في الفيزياء- سدّة السلطة في البلاد قبل عام من تحقيقها الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي السابق.

وقبل أن ندلف في التطورات الحالية في قرغيزستان جدير بنا أن نذكر نبذة عن هذه الدولة الفقيرة، والتي استقلت في سبتمبر عام 1991 عن الاتحاد السوفيتي ؛ فقرغيزستان أحد جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وتبلغ مساحتها (5و 198) ألف كيلو متر ويبلغ عدد سكانها (3و5) مليون نسمة 48 % منهم قيرغيز مسلمون، وأما باقي 52 % فيتوزعون ما بين روس وصينيين وأوزبك، وعديد من الأقليات الأخرى من طاجيكستان وكازخستان، ومنذ حصلت قيرغيزستان على استقلالها اختارت أن تسير في نهج الإصلاحات الشاملة، وهو ما أدى إلى تدهور حاد في الأحوال المعيشية لدولة تُعد من أفقر الدول في منطقة آسيا الوسطى لا يزيد ناتجها القومي على (3و1) مليار دولار، ولا تتمتع بكثير من الثروات الطبيعية اللهم إلا كميات قليلة من الذهب الذي وقفت الأوضاع المضطربة دون استثماره بشكل كامل تعود آثاره على الشعب الفقير.

الأوضاع الاقتصادية المتردّية لا تقف وحدها سبباً في اضطراب الأحوال في البلاد التي تنقسم إلى جزأين شمالي وجنوبي، ويسيطر أهل الشمال ومنهم الرئيس أكاييف ورئيس الوزراء تاتاييف على معظم المناصب القيادية ومقدرات البلاد الاقتصادية

غضب جماهيري

سيطرة الشماليين على الساحة السياسية والثروة الاقتصادية كانت تشكل هماً كبيراً لنظام أكاييف، فكثيراً ما علت أصوات الجنوبيين وخرجوا في مظاهرات، وتسببوا في اضطرابات أزعجت النظام الذي كان يوصف بأنه أكثر الأنظمة ليبرالية في منطقة آسيا الوسطى.

ورغم محاولات النظام احتواء هذا الغضب إلا أن الأمور بدأت تخرج من تحت سيطرته بنهاية عام 2002 عندما شهدت العاصمة بيشكيك مظاهرات شديدة طالبت بضرورة تبني النظام لإصلاحات سياسية، ووقف الحملات الأمنية على نواب المعارضة والكفّ عن معالجة شؤون البلاد بالنهج الأمني البحت، هذه المطالب كانت أول علامات نهاية شهر العسل بين أكاييف والشعب فالمظاهرات لم تكن في المدن الجنوبية فقط بل امتدت لغيرها فقوبلت من جانب أكاييف بإجراءات رمزية تمثلت في تشكيل لجنة تحقيق في الأحداث، وإلغاء قرارات زيادة أسعار المحروقات، ولكن هذه القرارات لم تفلح في إنهاء غضب الشعب؛ إذ واكبت التطورات تقديم أكاييف تنازلات للصين حول ترسيم الحدود بين البلدين، وهو الأمر الذي تنامى معه غضب الجنوبيين الذين يكنون عداءً بالغاً لنظامه وللصين، وأدى هذا التوتر بأكاييف إلى إقالة المسؤولين عن الأزمة وعلى رأسهم رئيس الوزراء.

تصاعد المعارضة

ومنذ ذلك التاريخ والمعارضة تزداد قوة وتكتسب أرضية جديدة وهو ما يعد خصماً من رصيد نظام أكاييف، ونمت حالة من الاحتقان الشعبي. الاضطرابات الشديدة في مناطق الجنوب التي تقطنها أغلبية أوزبكية قابلها أكاييف بعنف شديد وقصف جوي مكثف على مدينة أواش التي يزيد عدد سكانها على نصف مليون نسمة، وتُعدّ معقلاً للجماعات الإسلامية الأوزبكية التي فرت من عصف نظام كريموف المستبد، وكذلك ينشط فيها بعض الكوادر الإسلامية القرغيزية التي ما زالت في أول الطريق ويصعب وضعها في إطار تيار إسلامي حتى ولو كان معتدلاً.

المسلك العنيف لأكاييف ضد الجنوبيين فَقَد أي تعاطف شعبي، وأجبره على تقديم سلسلة من التنازلات لعديد من القوى الإقليمية والدولية عدها الكثيرون خطايا لهذا النظام البائد، ومن أوائل هذه القوى نظام كريموتف في أوزبكستان الذي كثيراً ما تحرشت قواته بحرس الحدود القرغيزي، وقصفت طائراته المدن الحدودية علاوة على قيام السلطات في طشقند بتلغيم المناطق الحدودية لمنع تسلل الإسلاميين، وإزاء هذا التحرش شنت قوات البلدين قصفاً مشتركاً للمناطق الحدودية تنفيذاً لبروتوكول وقّعه الطرفان للتصدي للإسلاميين وتصفيتهم أدّى هذا القصف إلى مصرع (2000) من نشطاء الحركة الإسلامية، ومئات من المدنيين نتيجة عشوائية القصف.

العداء السافر للإسلاميين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت