فهرس الكتاب
محمد فتح الله كولن**
لقد كان سيدنا صلى الله عليه وسلم هو الممثل الوحيد لتجلي صفة الرحمة والرحمانية لله تعالى في الأرض. واستعمل هذه الصفة كإكسير شاف لفتح القلوب والتربع على عروشها.
فصفة الشفقة والرأفة واللين في الإنسان هي العامل الثاني في جذب الناس وفتح قلوبها بعد صفة الإخلاص والتجرد الحقيقي.
لقد كانت رقة وجمال العالم الداخلي للرسو صلى الله عليه وسلم وقابليته غير الاعتيادية ورحمته وشفقته -اللتان كانتا بُعدًا آخر من أبعاد فطنته- من عوامل نجاحه التي استعملها واستغلها، ومن دلائل نبوته كذلك.
أجل؛ لقد أرسله الله تعالى رحمة للعالمين. لقد كان مرآة مجلوة تعكس رحمة الله تعالى. كأنه كان نبعًا وسط الصحارى أو حوض كوثر تقاطر عليه الجميع وفي يد كل منهم وعاؤه، يشرب حتى يطفئ ظمأه ويروي غلته ويملأ وعاءه. إنه بسرّ بُعد الرحمة المتجلية فيه مثل حوض كوثر للجميع، لمن أراد واستطاع الاستفادة منه.
غير أنه بفطنته الرائعة جعل الرحمة الموجودة في فطرته شِبَاك رحمة لصيد القلوب، فمن وجد نفسه في ذلك الجو الساحر وجد نفسه في طريق الجنة، وفي قمة الوجد. هكذا كانت"الرحمة"في يد رسول ا صلى الله عليه وسلم مفتاحًا سحريًّا. وبهذا المفتاح فتح مغاليق أقفال صدئة لم يكن أحد يتوقع فتحها بأي مفتاح، وأشعل شعلة الإيمان في القلوب.. أجل، لقد سلّم هذا المفتاح الذهبي إلى محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان أليق الناس به، والله تعالى دائمًا يسلم الأمانة لمن هو أهل لها.
لذا، سلّم مفتاح القلوب التي أعطاها أمانة للناس إلى من هو أكثر أهلية له من بين كل الناس وكل البشر؛ إلىمحمد صلى الله عليه وسلم . لقد أرسله الله رحمة للعالمين، فقام r بتقييم هذه الرحمة بشكل متوازن جدًّا؛ لأن التوازن شيء مهم في موضوع الرحمة.
الإفراط والتفريط في الرحمة
خدعة"الإنسانية" (Humanizm)
كان ذروة في كل شيء
الرحمة العالمية
الشفقة مع الأطفال
رحمة بالحيوانات.. أيضًا
الإفراط والتفريط في الرحمة
هناك إفراط وتفريط في مسألة الرحمة كما في المسائل الأخرى. ويمكن مشاهدة أفضل مثل على سوء استعمال الرحمة في فكر وتصرفات الماسونيين، فهم مع كونهم يتحدثون بمبالغة عن الحب وعن الإنسانية، نراهم لا يستطيعون إقامة أي علاقة حميمة مع أي شخص متدين، بل لو كان في مقدروهم أن يقتلوا كل شخص متدين ومسلم لفعلوا.
فالحب الذي يتحدثون عنه مقتصر عليهم وعلى من يفكر مثلهم، وهذا الحب في الحقيقة ليس الحب الخالص الذي نعرفه نحن، بل هو حب قائم على المنافع وعلى المصالح؛ بينما كانت رحمة سيد المرسلين رحمة متوازنة شاملة، لم تشمل الناس فقط، بل شملت الوجود بأجمعه.
يستطيع المؤمنون الاستفادة من الرحمة التي كان يمثلها النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ذلك لأنه: {... بالمؤمنين رءوف رحيم} (التوبة: 128) . ويستطيع الكافرون والمنافقون أيضًا -إلى جانب المؤمنين- الاستفادة من هذه الرحمة كذلك. حتى إن لجبريل حصة من هذه الرحمة. [1]
انظروا وتأملوا مدى شمولية وسعة هذه الرحمة؛ بحيث إن الشيطان نفسه بعدما شاهد هذه الرحمة انبعث فيه بعض الأمل فيها. [2] الرحمة التي يمثلها غير مقتصرة على أناس معينين ولا على جماعات معينة، ولم يقم أبدًا باستغلال هذه الرحمة كما فعل البعض.
خدعة"الإنسانية" (Humanizm)
في أيامنا الحالية تيارات اتخذت من فكرة"الإنسانية"ستارًا لخداع الإنسان. وأنا أتساءل: ما الفرق بين هذا التصرف وبين تصرف العقارب والثعابين التي تقترب من الإنسان لتلدغه؟ إن الحب الذي كان الرسو صلى الله عليه وسلم يمثله لم يكن من هذا النوع أبدًا، ويجب ألا يخلط به.
إن مفهوم الحب في الإسلام حب متوازن يضم في إطاره الدنيا والآخرة كما هو شأنه في الأمور الأخرى كذلك. لقد احتضن صلى الله عليه وسلم برسالته الإنسانية كلها، بل الوجود كله بالحب، غير أن حبه الواسع وشفقته الشاملة لم تبق في إطار الكلام أو في بطون الكتب كما فعل الآخرون، بل سرعان ما انعكست في الحياة العملية وبكل معانيها العميقة وأبعادها الشاملة. علمًا بأنه ما من فكر من أفكار صلى الله عليه وسلم أو عمل من أعماله إلا وأخذ طريقه إلى التطبيق العملي؛ ذلك لأنه كان رجل فكر وحركة وعمل.
إن الرحمة الواسعة لرسول ا صلى الله عليه وسلم التي ضمت الوجود كله بإخلاص؛ وجدت طريقها إلى التطبيق؛ لأنها كانت معنى منبعثًا بكل تجرد وإخلاص من قلب الوجود كله. فمثلاً نراه يعبر عن شفقته على الحيوان بمثالين حيين: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم"أن امرأة بغيًّا رأت كلبًا في يوم حارٍّ يُطِيف ببئرٍ، قد أَدْلَعَ لسانَه من العطَش، فنَزَعَتْ له بِمُوقِها فغُفِر لها". [3]
ثم يروي r حادثة مقابلة لذلك:"عُذِّبتْ امرأةٌ في هرّة سجنتْها حتى ماتت فدخلت فيها النارَ، لا هي أطعمتْها ولا سقتْها إذ حبستْها، ولا هي تركتْها تأكل من خَشَاش الأرض". [4]
كان ذروة في كل شيء