فهرس الكتاب

الصفحة 11434 من 27364

لقد جاء رسول الله ليبلغ رسالة الرحمة هذه، فقد كان المنهل العذب المورود. فمن جاءه وجد الرحمة عنده، ومن شرب ماء الحياة من يده فقد حصل ووصل إلى الخلود المعنوي. فيا ليت الذين سيقفون أمام حوض الكوثر بقدَر ولطف من الله تعالى يعلمون قدره وفضل صلى الله عليه وسلم حق العلم.

ولكي لا يبقى ما قلناه مفهومًا مجردًا؛ فإنني أود تقديم أمثلة ملموسة، غير أنني أود قبل هذا لفت انتباهكم إلى أنه كان ذروة في كل شيء. فهناك أناس يتقدمون الصفوف في بعض المسائل، ولكنا نجدهم في أواخر صفوف مسائل ومجالات أخرى.

مثلاً نرى القائد الموفق في ساحات القتال وفي فنون الحرب مهما بلغ في مهارته هذه، فإنه لا يكاد يبلغ درجة راعٍ بسيط في ساحات أخرى في الشفقة ورقة العاطفة والفهم، بل لكونه معتادًا على القتل، فلن يكون إنسانًا رحيمًا في معظم الأحوال. ذلك لأن عواطفه وأحاسيسه قد فقدت حساسيتها ورقتها من كثرة ما اقترف من أعمال القتل، فلا يشعر بأدنى عاطفة وهو يقوم بقتل إنسان.

وقد يكون هناك سياسي ناجح في ميدان السياسة، ولكنك قد تراه مبتعدًا عن الصدق بنسبة نجاحه هذا، وقد لا يحترم حقوق الناس. أي أن ابتعاده عن الصدق وعن المروءة بنسبة نجاحه في ميدان السياسة يكون أمرًا واردًا. وهذا يعني أن ارتفاعًا في ميدان ما قد يستتبعه هبوط في ميدان آخر.

كما تستطيع مشاهدة الإنسان الذي افتتن بتيار الوضعية (Positivism) ؛ وهو يجري وراء إجراء التجارب على كل شيء. وكيف أن الحياة الروحية والقلبية لمثل هذا الرجل لا تتجاوز خط الصفر.

بل هناك أشخاص وصلوا بعقولهم إلى"قمة إفرست". ولكنهم في حياتهم القلبية والروحية هابطين إلى مستوى"البحر الميت""بحيرة لوط". فكم من شخص انساب عقلُه إلى عينيه فلا يرى شيئًا سوى المادة، يقف ذاهلاً أحمق أمام منطق الوحي، قد عميت عيناه عن رؤية الحقيقة.

من هذا الشرح القصير نعرف أن هناك أشخاصاً ينجحون في ساحات وميادين معينة، ولكنهم يفشلون في ساحات وميادين أخرى أكثر أهمية. أي أن الصفات المتناقضة الموجودة في الإنسان تعمل إحداها ضد الأخرى. فعندما تتوسع صفة ما وتقوى يكن هذا ضد صفات أخرى، وعندما تنمو إحداها وتقوى تضمر الأخرى وتضعف.

ولكن هذا الأمر غير وارد بالنسبة لرسول ا صلى الله عليه وسلم ، فهو إلى جانب كونه محاربًا كان صاحب شفقة عظيمة. كان سياسيًّا ولكنه في الوقت نفسه صاحب مروءة كبيرة وقلب كبير.

وبينما كان يعطي أهمية للأمور الملموسة وللتجارب، فإنه كان ذروة في حياة الروح وفي حياة القلب. ويمكن العثور على أمثلة كثيرة بهذا الصدد في غزوة أُحد. ففي تلك الغزوة استشهد عمه حمزة رضي الله عنه الذي كان يراه شقيق نفسه. لم يُستشهد فقط، بل مُزّق جسده تمزيقاً. [5] كما مُزّق جسد ابن عمته عبد الله بن جحش تمزيقاً. [6] وشج رأسه المبارك، وكسرت أسنانه وغطى الدم جسده الشريف؛ [7] وبينما كثّف أعداؤه الهجوم عليه جاهدين الوصول إليه لقتله كان هذا الإنسان العظيم فوق كل عظمة فاتحاً يديه يبتهل إلى الله تعالى قائلاً:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". [8] فما أعظم وما أروع هذه الشفقة من شخص يحاول أعداؤه قتله فلا يدعو عليهم، بل يبتهل لله تعالى أن يغفر لهم.

حتى فتح مكة لم يبق في يد أعدائه أيُّ وسيلة للإيذاء لم يجربوها معه ولم يوجهوها نحوه. تأملوا معي كيف أنهم أخرجوه هو ومن يقف معه من بيوتهم إلى منطقة صحراوية معلنين عليهم المقاطعة، ومعلقين بنود هذه المقاطعة الشريرة على جدار الكعبة، وكانت تقضي بعدم التعامل معهم بيعًا وشراء وعدم التزوج من بناتهم أو تزويج بناتهم لهم.

وقد دامت هذه المقاطعة ثلاث سنوات بحيث اضطروا إلى أكل العشب والجذور وأوراق الأشجار، حتى هلك منهم الأطفال والشيوخ من الجوع دون أن تهتز منهم شعرة، أو تتحرك عندهم عاطفة رحمة. ولم يكتفوا بهذا، بل اضطروهم لترك بيوتهم وأوطانهم والهجرة إلى أماكن أخرى بعيدة. ولم يدعوهم في راحة هناك فبدسائسهم المختلفة سلبوا منهم طعم الراحة والاطمئنان.

وفي غزوات بدر وأُحد والخندق اشتبكوا معهم في معارك ضارية، وحرموهم حتى من أبسط حقوقهم كزيارة الكعبة، وأرجعوهم إلى ديارهم بعد إبرام معاهدة ذات شروط قاسية. ولكن الله تعالى أنعم عليهم ففتحوا مكة ودخلها رسول ا صلى الله عليه وسلم على رأس جيش عظيم.

فكيف كانت معاملته لأهل مكة بعد كل هذا التاريخ المملوء عداوة وبغضًا؟ لقد قال لهم:"اذهبوا فأنتم الطُلَقاء". ولولا أنني أخذت هذا الدرس منه لما كنت قد تصرفت هكذا لو كنت في موقعه، ولا أشك أنكم تشاطرونني رأيي هذا.

ويدخل مكة على مركبه والدرع على صدره والمغفر على رأسه والسيف في يده والنبال على ظهره. ولكنه مع كل مظاهر لباس الحرب هذه كان أنموذجًا للشفقة والرأفة. سأل أهل مكة:"ما ترون أني فاعل بكم؟"فأجابوه:"خيرًا.. أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم". فقال لهم ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: {لا تثريبَ عليكم اليوم يَغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} (يوسف: 29) [9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت