عبد الرحمن أبو عوف 3/9/1427
كان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر تأثير كبير على أوضاع المسلمين في جمهورية سلوفاكيا؛ إذ سعى المسلمون - والذين لا تتجاوز أعدادهم عشرة آلاف نسمة من مجموع سكان البلاد الذين يصل تعدادهم إلى خمسة ملايين نسمة - إلى محو الصورة السلبية عنهم التي استقرت لدى الرأي العام في سلوفاكيا.
وقد تحرك العشرات من شباب وكوادر الحركة الإسلامية في سلوفاكيا تحركات نشطه عبر المؤسسة الإسلامية في يراتيسلافا والاتحاد العام للطلبة المسلمين والمسجد الموجود في العاصمة لانتزاع اعتراف رسمي من الدولة بالإسلام كدين رسمي بالبلاد، وهو ما يترتب عليه حصول المسلمين على جميع حقوقهم .
ومن الجدير بالذكر أن سلوفاكيا إحدى دول وسط أوروبا، حيث يحدها من الشمال الغربي جمهورية التشيك التي شكلت معها لمدة سبعين عاماً ما عُرف سابقا بـ"تشيكوسلوفاكيا"قبل أن يحدث الانفصال التاريخي بينهما عام 1993، ومن الشمال بولندا، ومن الشرق أوكرانيا، ومن الجنوب المجر، ومن الجنوب الغربي النمسا. ويعيش في سلوفاكيا أغلبية سلافية نصرانية في حين تتواجد أقليات من اليهود والمسلمين؛ إذ عانت البلاد - شأنها شأن جميع دول أوروبا الشرقية - من الشيوعية التي فرضت قيوداً على الأديان وخصوصاً الإسلام، وحوّلت المساجد والمدارس الإسلامية إلى مخازن للغلال ومتاحف ومارست ضغوطاً على الجميع، حتى بزغت شمس التحوّلات التاريخية في سلوفاكيا التي أنهت سيطرة الشيوعيين على مقاليد الحكم .
وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام قد دخل سلوفاكيا عبر الفتح التركي الذي استمر لأكثر من (150) عاماً، غير أنه لم يفلح في تحقيق نتائج جيدة في سلوفاكيا بالمقارنة بما حدث مع دول أوروبية أخرى.
وعن طريق بعض الدعاة القادمين من المجر المجاورة، وكذلك عبر الوجود الطلابي المكثف لطلاب المسلمين في الجامعات التشيكية إبّان الاتحاد مع سلوفاكيا، وقد ساهم هذا الوجود في وضع أساس الوجود إسلامي في سلوفاكيا، كما لعبت الزيجات المتبادلة بين المسلمين والسلفاك دوراً مهماً في انتشار الإسلام هناك.
على الرغم من قدم الوجود الإسلامي في جمهورية سلوفاكيا فإن الدين الإسلامي غير معترف به حتى الآن، مما يشكل صعوبات شديدة أمام نيل المسلمين لحقوقهم في هذا البلد، فغياب الاعتراف الرسمي بالدين الإسلامي وقف حائلاً دون إنشاء مساجد جديدة أو مراكز إسلامية لخدمته في ظل تداعي أحوال المسجد الوحيد الموجود في العاصمة يراتيسلافا، فضلاً عن أن هناك رفضاً شديداً لوجودهم في سلوفاكيا، متأثراً بالحملات القوية التي شُنّت ضد المسلمين، ونظرت إليهم بصفتهم إرهابيين يشكّلون دعماً للقاعدة وزعيمها أسامة بن لادن.
مخاوف من الوجود الإسلامي
وقد لعب هذا التوجّس من الوجود الإسلامي دوراً مهماً في رفض طلب الجالية المسلمة في سلوفاكيا ببناء مركز إسلامي، على الرغم من امتلاكها لقطعة أرض تزيد مساحتها على ألف متر، وساقت الجهات الإدارية حججاً واهية لتسويغ موقفها غير المنطقي.
وزاد من تعقيد وضع المسلمين في سلوفاكيا عدم وجود هيئة إسلامية تشرف على شؤون المسلمين، وتسعى لحل مشاكلهم أمام سلطات الدولة الرسمية، ومع هذا حاول المسلمون تحويل مسجد براتسلافا المتواضع إلى هيئة تتحدث باسم المسلمين، حتى لو كانت غير رسمية، ولا تقف مأساة مسلمي التشيك عند هذا الحد، بل إن الطين يزداد بلة عندما يصطدم المسلمون في سلوفاكيا بوجود معارضة شعبية مناهضة لوجودهم؛ إذ لا يحمل السلوفاك ذكريات طيبة عن الوجود العثماني في البلاد، والذي استمر لأكثر من (150) عاماً لم ينجح خلالها في أسلمة قطاع كبير من البلاد، كما حدث في البانيا والبوسنة ومقدونيا ورومانيا والمجر وغيرها من البلدان، وذلك بسبب التعصب الشديد من قبل الشعب السلوفاكي لهويته النصرانية، سواء الكاثوليكية أو الأرثوذكسية.
وتزداد المسألة صعوبة حين ندرك أن هناك موقفاً مسبقاً لدى السلوفاك ضد أي تجمع إسلامي؛ إذ ينظرون إليه كأنه قنبلة موقوته تستعد للإنفجار في أي لحظة تجاه المواطنين السلوفاك المسلمين، ويستغل اللوبي الصهيوني هذا الموقف المسبق في التحريض على الوجود الإسلامي المحدود في سلوفاكيا، غير أن الأمر لا يبدو كله سيئاً، فللقضية وجه إيجابي؛ فهذا الرفض للوجود الإسلامي لم يوجد حالة من اليأس في أوساط المسلمين، بل على العكس حفز الكثير منهم على السعي لإزالة هذه الصورة المشوهة عنهم، ونقل صورة نقية عن الإسلام وثقافته، محذّرين من سوء الفهم، والصورة النمطية المطبوعة في عقول السلوفاك عن الإسلام، ونظّمت الجالية المسلمة هناك العديد من الفعاليات والبرامج طوال السنوات السابقة، ودشّنت موقعاً على شبكة المعلومات الدولية تحدث فيه عن الإسلام والمسلمين في سلوفاكيا باللغتين العربية والسلوفاكية.
صحوة إسلامية