فهرس الكتاب

الصفحة 24482 من 27364

د. خالدالدريس 19/1/1428

في سنوات مضت أصدر كاتب غربي بحثاً خطيراً، يصدق عليه مقولة:"أنه ملأ الدنيا وشغل الناس".

فانشغل عالم الإعلام بشتى أنواعه بمتابعة الموضوع وبملاحقة ذلك الباحث، فامتلأت صفحات الجرائد، والمجلات، وعُقدت الندوات واللقاءات لمناقشة البحث الخطير الذي كان يحمل عنوان"صراع الحضارات"، وانشغل أبو نورة - أحد أصحابي - بتلك الفعاليات، وفي يوم من الأيام دعاني لمتابعة ندوة عُقدت خصيصاً للتعريف بالبحث والباحث، فاستجبت لطلبه، واستمعت بإمعان للمحاضرات والمناقشات والمداخلات، فاكتشفت أن الجميع تقريباً يرفضون مبدأ البحث وفكرته، ويدعون الباحث إلى تبني مبدأ الحوار لا الصراع بين الحضارات، ومن الحضور من هاجم البحث والباحث داعياً إلى التآخي والتعاون بين البشر ليعيش الكل في سلام وأمان ومحبة ومؤاخاة.

وعندها قلت لصاحبي: أتدري لقد تذكرت الآن سنة إلهية من أهم السنن الربانية، لم أر أحداً ذكرها أو ناقش تلك النظرية في ضوئها، قال: ما هي؟

فقلت: سنة التدافع بين الحق والباطل التي نص عليها القرآن الكريم.

فقال لي: ماذا تريد أن تقول؟

قلت: هؤلاء الذين يرفضون البحث، ويدعون إلى الحوار والتعاون والتآخي ينطلقون من فكرة ما يجب أن تكون عليه الأمور، أي نتمنى أن تجري الأحداث هكذا، لكن الكاتب -وهو على غير دينهم- ينظر للأمور كما تجري في الواقع لا بحسب الأماني والأحلام. يا صاحبي، أي الفريقين أقرب للواقعية في التفكير المستقبلي؟ أي الفريقين أقرب للتفكير من خلال سنة التدافع؟

ثم قلت له: إن الباحث يعلم يقيناً أنه من أمة عدوانية ظالمة تضطهد الشعوب المستضعفة، وهو يعلم يقيناً أن أغلب الشعوب المضطهدة في هذا العالم المسلمون، وهم حملة عقيدة لا تقبل الذل والضيم إنها عقيدة (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) ، إنها عقيدة"اطلبوا الموت توهب لكم الحياة"، كما أن أكثرية الشعوب الإسلامية في زمننا تتكون من الشباب، ومرحلة الشباب تعني الاندفاع والغضب العارم والحماسة المتعجلة والشجاعة التي تفتقد للحكمة، ولن تجري الأمور بهدوء، لابد من نقمة تهيج بعض الأفراد المضطهدين لمنازلة الخصم وإلحاق الأذى به، ولو كان ذلك مع عدم التكافؤ في القوة المادية، ولذا فالباحث يرى أن مصير الأمور إلى وقوع التصادم؛ لأن ذلك هو منطق الأحداث، فالحياة صراع وتنازع، فهو حيناً يقول بصراع الحضارات، فيسجل توقعاته من منظور واقعي لا من خلال التمنيات والرغبات والميول كما سمعت من هؤلاء المثقفين التائهين.

فسكت صاحبي، وسكتّ، ومضت سنوات تتبعها سنوات، وأكّدت لنا الأحداث أن توقعات الصراع بين الحضارات والثقافات بدأت تتحقق، وأن دعاة الوئام والأخوة البشرية ذهبت تمنياتهم أدراج الرياح.

أحبتي في الله سأحدثكم اليوم عن سنة التدافع التي هي من أهم السنن التي يجب على المسلمين أن يتفقهوا فيها ويفهموها حق الفهم؛ إذ هي من قواعد التفكير الكبرى في المنظور الإسلامي، فما هي سنة التدافع؟ وكيف تؤثر في تفكيرنا وتصورنا ومواقفنا من رؤية العالم المحيط بنا؟

إن سنة التدافع معناها: صراع الحق والباطل لينحي أحدهما الآخر عن ميدان القوة والتأثير، وقد يصل الأمر إلى استعمال القوة ليتحقق ذلك.

ودليلها من القرآن قوله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة:251] ، ومعنى هذه الآية أنه لولا أن يدفع الله ببعض الناس -وهم أهل الطاعة له والإيمان به- بعضًا، وهم أهل المعصية لله والشرك به، لفسدت الأرض بغلبة الكفر، وتمكُّن الطغيان، وأهل المعاصي، ولكن الله ذو فضل على المخلوقين جميعًا.

ودليل آخر على سنة التدافع هو قوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:40] .

إن سنة التدافع هي قصة الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، إنها تاريخ النزاع بين المؤمنين وغيرهم، وهي قصة لم تزل تُكتب فصولها وأحداثها إلى اليوم، ولم تنته بعد؛ فكل يوم يمضي تُكتب فيه أسطر جديدة في كتاب التنازع والتدافع بين حق مسلوب وباطل مستكبر متعالٍ، باطل يريد أن يصوغ الوجود والكون والعالم وكلَ من فيه بصبغته ومنهجه البعيد عن الحق والعدل والعبودية لله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت