فهرس الكتاب

الصفحة 24483 من 27364

إن التدافع والتنازع والصراع بين أهل الحق وأتباع الباطل أمر لا بد منه، إنه أمر حتمي؛ لأن الحق يعني الخير، والباطل يعني الشر، وهما ضدان، والأضداد لا تلتقي ولا تجتمع، ولأن الباطل مع شقيقه الآخر الشر لا يهنأ له عيش، ولا تستقيم له حال إن هو رأى الحق يشيع بين الناس وينتشر.

إن مصالح الباطل تتضرر كل الضرر من انتشار الحق والخير، ولذا فهو يهاجم الحقّ ويعتدي عليه، ويضع العراقيل في طريقه، ويسعى إلى نفيه وتشويه سمعته، وصرف الناس عنه وتبغيضهم فيه. ولهذا قلنا: إن الصراع بينهما حتمي ومجريات التاريخ والواقع المعاصر تؤكد بكل دقة سنة التدافع؛ فالمتجاهل لها الغافل عنه ينأى بتفكيره عن سمة الواقعية؛ ليعيش في أوهام التفاهم والتآخي والتعاون بين البشر على اختلاف طبقاتهم في القوة؛ وتباين درجاتهم من الحق والصدق، وهذه معاني جميلة لو كانت حقيقية وصادقة، ولكن الواقع يكذبها في كل ساعة من ساعات اليوم الواحد؛ فالباطل بقوته وعنجهيته وكبريائه واستعلائه ومصالحه المادية الكثيرة، لا يمكن أن يقبل بالتعايش مع الحق أو يهادنه.

وأهل الباطل كما جرت عادتهم لا يكفيهم بقاؤهم على باطلهم، وإنما يسعون إلى محق الحق وأهله وإزالته بالقوة، وصد الناس عنه ببذل المال وبالقوة العسكرية الفتاكة، وبكل ما لديهم من قوة وقدرة لتحقيق ما يريدون، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) .

وقال تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) . وددت -والله- أن تُنقش هذه الآية في قلب كل مسلم ليعرف المخدوعون حقيقة الباطل وأعوانه والكفر وجنوده، نعم والله: (ولا يزالون يقاتلونكم) ولماذا؟ ويأتيك الجواب من العليم الخبير (حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) ، وهذا دليل قاطع على استمرارية سنة التدافع بين أهل الحق والإيمان وأهل الباطل والكفر.

وفي خضم هذا التدافع الذي قدره الله وقضى سبحانه بوجوده، على المسلم أن يتفقه في معاني هذه السنة الإلهية الجليلة، ويعرف مقتضياتها ولوازمها وحدودها، ومن أهم الأمور في ذلك أن يعرف المسلم أن أهل الحق لا يمكن لهم أن يستمروا ويحموا وجودهم إلاّ بوجود قوة، ولذا أمر الله أهل الحق بإعداد القوة التي ترهب الأعداء، قال تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) .

ومعنى هذه الآية الكريمة أن أعدُّوا - يا معشر المسلمين - لمواجهة أعدائكم كل ما تقدرون عليه مِن عدد وعدة؛ لتُدْخلوا بذلك الرهبة في قلوب أعداء الله وأعدائكم المتربصين بكم. وتأمل ولا تغفل -يا رعاك الله- في أن واجب القوة أن تكون مرهبة للعدو.

وليعلم المسلم أن من سنة الله في هذا التدافع أن الغلبة للحق وأهله كما وعد الخالق عز وجل بذلك: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) .

وقال تعالى: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) .

قال ابن كثير:"هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل إلاّ نصر الله الإيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين نصرهم على أعدائه من المشركين".

واعلم أخي المسلم أن نصر الله لا يأتي بسهولة ويسر، إنه حسب السنة الإلهية لا يأتي عادة للمؤمنين إلا بعد جهد عظيم يُبذل، وتضحيات ضخمة تُقدّم، ويسبقه عادة أذى يلحقه أهل الباطل بالمؤمنين.

وهذا لا يتعارض مع سنة الله في نصر المؤمنين؛ لأن الأمور بخواتيمها وعاقبتها، والعاقبة دائماً للمؤمنين في نصرهم على أهل الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت