فهرس الكتاب

الصفحة 24212 من 27364

حوار الحضارات: الإشكالية في الفكر لا السلوك

* زهير فهد الحارثي

لعل ما يميز الفلسفة هو عندما تستخدم تبريرا لما هو قائم وكائن بالفعل، لا سيما لدى المتمكن من ادواتها، ولذا بات اللفظ وفن التلاعب به من صميم النهج الفلسفي الاوروبي، حيث كسر صلابة الفلسفة بذائقة الادب. ورغم ان الفلسفة ـ كما يعتقد هيجل ـ لا تأتي بجديد، الا انها اساس كل طرح فكري يسعى الى تحليل وتفسير المشكلات الكونية والانسانية انطلاقا من المعطيات الماثلة والظروف الكائنة.

على ان الفلسفة ـ في جوهرها العميق ـ لا تؤمن بالمطلق، ولا تقطع الشك باليقين، بل انها تنزع الى فتح باب التأمل والتساؤل، فمن صميم مهماتها ان تخلق التحليل، وتوسع الادراك والافق، وهذا ما فعله كبار الفلاسفة منذ عهد سقراط مرورا بابن رشد وانتهاء بريتشارد روتي وزكي نجيب محمود وفرانسيس فوكوياما. كانت قدرة التحليل العقلاني وملكة التحليل المنطقي، السمتين الاكثر بروزا في كل هؤلاء، فعلى الرغم من تعدد المدارس وتنوع المناهج وتلون التراث، تبقى الفلسفة ميدانا خصبا وحيا لتوليد الفكر وتعتيق الذهن، وبصرف النظر عن استنتاجاتها من حيث الصحة او الخطأ، فإن نوعية الطرح ومنهجه العلمي عادة ما يعطيانها ذاك التوهج والبريق، ولذلك صار تعليل الظواهر عن طريق قانونية العلة والمعلول، والتجربة والملاحظة الدقيقة اساسا لتفسير الاشياء، مما جعل المثل العليا لدى افلاطون والفكر المطلق عند هيجل، يستسلمان بدورهما الى قانون العلم.

هذا الاستهلال له اهميته، لا سيما وقد طرحنا في مقال سابق (حوار الحضارات: ترف ام ضرورة) آراء المفكرين هنتغتون وفوكوياما ازاء السياسة الاميركية، وترويجهما للنموذج الاميركي الذي باعتقادهما سيبقى مسيطرا ومهيمنا ومنتصرا ومؤثرا في النظام العالمي بأسره. ولأنهما منظرا السياسة الاميركية، استراتيجيا وفلسفيا، ولهما بالتأكيد ذلك الحضور لدى صانعي القرار السياسي، فإنه من الطبيعي ان يأخذ الاخير تلك الطروحات بعين الاعتبار، خاصة عند حدوث ازمات مفاجئة وغير متوقعة وتتطابق ملامحها وسيناريو قصتها مع هذه النظرية او تلك.

على ان المقام ليس للتحقق من صحة تلك النظريات، فقد تم تشريحها في المقال الفائت، فنحن هنا ننطلق لاكمال الصورة حول موضوع حوار الحضارات والاشكالية ما بين الاسلام والغرب، وما تلك النظريات المذكورة سوى ايضاح لنمط القطب الاحادي (الولايات المتحدة) وطبيعة فلسفته السياسية التي تحمل ـ بلا شك ـ تأثيرها وافرازاتها على سطح المجتمع الدولي.

غير ان الاصرار على صحة مثل تلك النظريات، يكرس مفهوم القطيعة، ويُعيد مفردات قديمة في التنازع تتمثل في الكراهية والحقد والرفض على ان الحديث في تشكل الحضارات وتزاوجها، يقودنا الى الاشادة بالحضارة الاسلامية، حيث تثاقفت مع الحضارات الكائنة آنذاك، بأسلوب تعايشي وتسامحي، فحافظت تلك الحضارات على هويتها مع استفادتها الجمة مما احتوته الحضارة الاسلامية من فكر وتجارب ومفاهيم، ولعل هذا يفسر وعن كثب تميز الحضارة الاسلامية وان مبدعيها لم يقتصروا على العرب فقط.

* نتائج كارثية

* بيد انه يتبادر سؤال هنا، حول الاسباب الرئيسية وراء ضعف التواصل آنذاك التي ساهمت في خفت توهج التبادل الثقافي والحوار الانساني؟!. الحقيقة تتمثل في جمل من الاحداث والمسببات التي ادت الى نوع من العزلة والتقوقع، حيث آثر البعض ذلك للحفاظ على الهوية وكرامة الذات، لا سيما بعدما اصبحت لغة القوة والسيطرة والهيمنة تسبح في فضاء تلك الفترة، فضلا عن نظرة الاحتقار والازدراء من الغرب ازاء الحضارات والثقافات الأخرى، ولعل ما ساهم في تكريس هذا المناخ تلك العوامل التي افرزتها الحرب العالمية الثانية، والدخول في مرحلة الاستعمار، واستيلاء الحلفاء على البلدان، وسقوط الدولة العثمانية، وظهور الاتحاد السوفيتي كثورة مناهضة للغرب (الفكر الشيوعي مقابل الفكر الراسمالي) .

غير ان الخطأ الجسيم كان في تبني بعض الدول العربية الفكر الشيوعي الذي كان فيه سبيل للخروج من الاحباط والمأساة اللذين عاشتهما بعد انهيار الخلافة العثمانية، وكانت النتائج فعلا كارثية على تلك المجتمعات، الا ان الفكر الشيوعي تلاشى تقريبا بسقوط الاتحاد السوفيتي وظهور النظام العالمي الجديد الاحادي القطب بزعامة الولايات المتحدة الاميركية (نظريات هنتغتون وفوكوياما) . ورغم اهتمامها وحلفائها بالمصالح والمنافع، فإنه سرعان ما لاحت في الأفق اضاءات واصوات تنادي بالحوار والتواصل الثقافي والتعاون بين الشعوب لاثراء الحضارة الانسانية ومد الجسور واحترام الهويات الحضارية غير ان ظهور الحركات الاصولية (الاسلاموية) ونزوعها الى لغة العنف ورفض الحوار ومعاداة الغرب، ادى الى نوع من الاختلال في تركيبة المجتمعات العربية، مما افرز تيارا آخر ليبرالي التوجه، فكانت النتيجة صراعات واحتدامات بين التيارين، ووقفت الحكومات العربية في صف الليبراليين، مما زاد حنق (الاصوليين) فكان الغضب حارقا وتاريخا من العصيان والتمرد ولغة العنف التي لا ترحم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت