وهكذا عانت الدول العربية من الارهاب. ولكن الاشكالية، تكمن في الفكر قبل السلوك، فكيف لك ان تجد حلا لعقلية لا تؤمن بالحوار، ولا تصغي للآخر، فهي ترفض الانفتاح، وتؤثر الانغلاق، ولا تلبث ان تُنادي في كل مناسبة بالتمسك بالهوية تمسكا مطلقا دون الاخذ في الاعتبار المتغيرات التي تدور في محيطها، ولا بالتحولات المريعة المبثوثة في فضائها!.
ولعل ما يميز هذه العقلية عن غيرها هو تكريسها مهاجمة الغرب وحضارته، ورفضها المعلن للتعامل مع تلك الشعوب او التقارب مع ثقافاتها، وتصل هذه العقلية في غلوها الى حد المطالبة بالقطيعة مع الغرب. على ان هذا النموذج، الذي يسلك فكرا احاديا، تكرسه الجماعات المتطرفة وبعض الاصوات الدينية المتشددة في عالمنا العربي، وهي اصوات (مُفرطة) في توجهها وفي منحاها، حيث انها لا ترتهن الى الموضوعية في الطرح فهي تناقض نفسها حينما تطالب بالقطيعة مع الغرب في حين ان ما حولها وفوقها وتحتها هو من صناعة الغرب، فأي عاقل لا ينكر ان تكنولوجيا (الحاضر) وابتكارات (القادم) هما من افرازات الحضارة الغربية.
* الإفراط.. الإشكالية الكبرى
* وكيف لك ـ ايضا ـ ان تجد حلا لعقلية أخرى لا تعرف الا المطالبة بالتخلي عن التراث والهوية، وتدعو الى (التغريب) اي بالاندماج والانغماس في الحضارة الغربية، وترى فيه الحل لملاحقة العصر ومواكبة التطورات المتسارعة!، وهذه اصوات (مُفرّطة) ـ بتشديد الراء ـ فقيمة الانسان تسمو وترتقي حين تدعمها منظومة الهوية والتراث والقيم. وعندما تدعو تلك الاصوات الى الانسلاخ من الهوية والتماهي مع ثقافة العرب، فإنها ترمي الى طمس الهوية العربية ومصادرة التراث والغاء قيمة الانسان العربي، ومن ينسى تلك الدعوة التي فجرها طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» عام 1938، وجاءت فيه دعوته الى محاكاة الغرب والاعتماد على النموذج الاوروبي للثقافة لتحديث الثقافة العربية «... على المصريين، اذا ارادوا، ان يتقدموا، ان يصبحوا اوروبيين في كل شيء، وان يتمثلوا الحضارة الاوروبية حلوها ومرها...» . العجيب ان هذا الكتاب ما زال يمثل مثار جدل بين المثقفين العرب، ويفصلهم الى تيارين لا ثالث لهما على انه عند الارتهان للعقلانية، فإن الانصاف والحياد يكشفان لنا ان ثمة عناصر ايجابية لدى كلا الطرفين (النموذجين) بصرف النظر عما هو الاقوى، وان كنا يقينا نؤمن بحضور الثقافة الغربية وعلو كعبها، الا ان القضية هنا تتعلق في قناعات ذاتية ذات جذور ومرجعية دينية، فالحفاظ على الهوية امر مهم، كما ان التواصل مع الآخر امر لا يقل اهمية ايضا، ولكن الاشكالية ـ كما ذكرنا آنفا ـ تكمن في مسألة (الافراط) (اصوات مُفرطة وأخرى مُفرِّطة) ، فالاولى ـ كما قلنا ـ تدعو بشكل مغالٍ الى الانعزال وعدم التعامل مع الآخر، في حين ان الثانية لا تلبث ان تفضح تقصيرها ازاء هويتها وثقافتها حين مطالبتها بالتماهي مع الآخر. وبالعودة الى المنطق والحياد، نوقن ان الانعزال والتقوقع مثلهما مثل الاندماج والتماهي، فهما في نهاية المطاف ضعف وفقدان ثقة. على ان التنظير مسألة سهلة حين مقارنتها بالتطبيق، ولكن ليس من جديد في القول ان ثمة معطيات جديدة قد تشكلت في عالمنا اليوم، وافرزت قواسم مشتركة بين الشعوب، ولم تعد هنالك قدرة بشرية بإمكانها محاربة او منع او ايقاف تسارع هذه التحولات التي ما لبثت ان باتت حقائق ومسلمات تفرض على الجميع دون استثناء ان يتعامل معها ـ شاء ام أبى.
وفي هذا السياق، فإن ثمة توجها الآن الى التأكيد على اهمية التقارب والتعايش السلمي بين الثقافات، لا سيما ونحن في عصر العولمة ورغم ان الاعلام الغربي يكرس قضية الصراع الحضاري بعد احداث (11) سبتمبر (ايلول) ، كما ان اسامة بن لادن يتخذ نهجا مشابها وانها حرب بين الاسلام والغرب، فإن دور المستنيرين في العالمين الاسلامي والغربي، هو المطالبة والحث على التقارب والحوار والانفتاح واحترام الرأي الآخر وتكريس التلاقح الثقافي.
وحتى لا نهيئ الفرصة لمن يحلم بالاصطياد في الماء العكر، فإننا معنيون اكثر من اي وقت مضى الى تشكيل نسيج حي لثقافة الانسانية بفكرها الفعال والمتحرر من مفردات الهيمنة والسيطرة والقادر على هدم خطابات التسييد والترهيب. ولعل البوادر المضيئة تجعلنا من المتفائلين، فهذه مكتبة الملك عبد العزيز العامة تزمع اقامة ندوة حوار الحضارات يرعاها ولي العهد السعودي، وهي مبادرة لها دلالاتها وقيمتها الآنية وضرورتها اللحظية وهي بلا شك بمثابة تحريك المياه الراكدة على مستوى التواصل الحضاري، وهي بالتأكيد محاولة لردم الهوة التي اتسعت فجوتها بين العالمين الاسلامي والغربي بعد احداث (11) سبتمبر، كما ان مؤتمر لاهاي الاخير ـ على سبيل المثال ـ وقد قدمت منه للتو ـ بادرة سعودية أخرى تصب في تكريس الحوار الثقافي والقانوني بين الدول الاسلامية والمجتمع الدولي، حيث طرحت قضايا عديدة تمس شعوب هذه الدول، التي لم يعد بقدرتها العيش بمعزل عن بعضها البعض.