فهرس الكتاب

الصفحة 22814 من 27364

3-كثيراً ما نسمع تذمراً كبيراً من التخلف الإداري، ونرى مخرجات من التخلف في إهمال وظلم ونفاق وواسطات وتأخير... الخ. وقبل أن نظن أن أصحاب هذا التذمر ملائكة علينا أن نقرأ الواقع الإداري بصورة صحيحة، وعلينا أن نتاكد أن هؤلاء يتقنون أعمالهم، وأن مصالح الوزارة أو الشركة أو الدولة هي التي تهمهم، وأن هناك أدلة قاطعة على اجتهادهم في أعمالهم، أو على الأقل استعدادهم للاجتهاد إذا أعطيت لهم الفرصة، وإذا صدقنا الأعمال لا الأقوال سنجد أن السبب الرئيسي للتخلف الإداري هو نحن الشعوب، فقد علمتنا الأيام أن كثيراً ممن يتذمرون من التخلف الإداري هم سببه، فهم كسولون ولا رغبة عندهم في العمل، فكم من مهمة تم إعطاؤها لهم فجاءت النتيجة متواضعة جداً، أو فاشلة، ولو سألت رؤساءهم لأخبروك أنهم يتأخرون في إنجاز الأعمال، ويرفضون أداء أعمال مطلوبة، أو ليس عندهم اهتمام بتطوير علمهم في مجال تخصصهم، وكثير من هؤلاء الموظفين ينافقون لرؤسائهم، وليسوا على استعداد للمساهمة في التطوير الإداري، بل كثيراً ما يزرعون اليأس والتشاؤم أمام أي عمل أو أمل أو محاولة إصلاحية، وبعض هؤلاء المتذمرين يتخلون عن مسئولياتهم وواجباتهم حتى يسكت رؤساءهم عن إهمالهم أو حتى يضمنوا ترقيات ومناصب، أما مصلحة الوطن ومبادئ الإسلام فهي لا تهم وتجد من ينصحك بالنفاق والسكوت حتى تترقى، وبعض هؤلاء ليسوا مجبرين على ذلك، بل أن الأغلبية ليست مجبرة على هذا الإنحراف، ومع هذا تفعله باختيارها، وبعضها لديه المال والأمن المالي، ومع هذا ينحرف إهمالاً وكسلاً، أو رغبة في منصب أعلى. وتخلى الكثير منا عن واجباتهم في الجانب الإداري، وهو جانب ليس فيه خطر السجون والنفي والاضطرار وهذا دليل على ضعف أو غياب المبادئ في نفوسنا، وعموما فالبيئة الإدارية فيها صراعات وعداوات شخصية ومصالح وعقائد متناقضة، فلنحسن قراءتها حتى نكون واقعيين.

هذه الأمثلة تثبت أن كثيراً من العسكريين والإداريين وأهل التعصب العرقي هم أفراد منا، ولديهم انحرافات وأن هؤلاء وغيرهم على استعداد

للتمرد على المبادئ، متى ما وجدوا الفرصة، فالقابلية للانحراف موجودة عند تجار وفقراء وأحزاب وجماعات، فإذا وجد بعض التجار فرصة غش وزاد في السعر، والأمثلة كثيرة وزيادة التعليم والديمقراطية والغنى لن تغير الواقع بل يغيره ما في النفوس، فالغنى يتحول عند النفوس المنحرفة إلى تبذير وطغيان، ومظاهر ومخدرات وكماليات تافهة وهذا واقع مشاهد، والديمقراطية تصبح ساحة للتعصب والصراع والتنافس غير الشريف، وهكذا، قال الأستاذ أحمد بهجت:"إن الخراب الذي تفرزه الحياة، والظلم المدجج بالسلاح والمآسي التي تقع في عالمنا تعود أولاً وأخيراً إلى خراب النفوس. إن النفوس حين تصير كالأرض البور لا ترى في الحياة إلا مصالحها القريبة تغشى عيونها عن رؤية العدل، أو الإنصاف أو المصالح البعيدة، ولا ترى أبعد من أنفها، عندئذ تقع الكارثة"!!

وهناك ملاحظة هامة لا بد من ذكرها، وهي أن محاولة إصلاح الشعوب تصطدم بصعوبة كبيرة، وهي أن من اصعب الأمور على الفرد والحزب والجماعة والقبيلة والشعب الاعتراف بوجود انحرافات كبيرة. وحيث أننا ننظر بقدسية إلى نفوسنا وقبائلنا وشعوبنا وتكتلاتنا، وإذا انتقدنا أحد اتهمناه بأنه حاسد أو عدو أو جاهل أو حتى مؤامرة أجنبية، حتى لو جاء هذا النقد ممن ينتمي لنا وكثيراً ما نقابل النقد بهجوم على الآخرين، وعلى سبيل المثال فلا زالت كل شعوبنا العربية ترى أن ما أخذته من مواقف وأعمال ونوايا خلال الغزو العراقي للكويت صواباً سواء كان مع الغزو أو ضده، أو على الحياد أي نجد هذا التناقض الشديد في الاقوال والأعمال والنوايا والزلازل العقائدي والقومي والسياسي والعسكري ونظن جميعا أننا التزمنا بإسلامنا وبعروبتنا وبمبادئنا، وأن الآخرين هم الذين خانوا وانحرافوا وكفروا وظلموا، وجزء من العلاج هو في الحوار الهادئ، وفي تحكيم المخلصين الواعين لإسلامهم وعروبتهم من علماء وسياسين، وسنعرف انحرافاتنا وأخطاءانا، وسنعرف العالم من الجاهل والمخلص من المنافق، والصادق من الكاذب، حتى لا تتكرر مصائبنا، أو تأتي مصائب جديدة لشعوبنا دور كبير في إيجادها!!

أ- جنون العلمانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت