د. عبد لوهاب المسيري
"...كما يجب التأكيد على أن الديموقراطية ليست هي رأي الأغلبية وحسب، إذ يجب أن تكون هناك ضوابط لحفظ الحقوق المدنية والدينية والثقافية..."
شهدت السنوات الأخيرة، وخاصة في أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول 2001، مجموعة من الأحداث والمواقف والسياسات كان من شأنها أن تثير شكوك البعض، وتؤكد الشكوك القائمة أصلاً لدى البعض الآخر، بخصوص ما يسمي بالممارسات الديموقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية، التي طالما وُصفت بأنها"زعيمة العالم الحر"و"قلعة الديموقراطية"و"المدافعة عن حقوق الإنسان".
فعلى المستوى الداخلي، فُرضت سلسلة من القيود التي تحد من الحريات الفردية للمواطن الأمريكي، وبدأ تطبيق تدابير أمنية لا تختلف كثيراً عن تلك المتبعة في أعتى النظم الاستبدادية، ومنها مثلاً"قانون الأدلة السرية"والمحاكم العسكرية، كما بدأ اتخاذ إجراءات تتسم بالتمييز ضد أبناء الأقليات، ولاسيما من ينحدرون من أصول عربية أو إسلامية. وعلى المستوى الدولي، كان هناك غزو أفغانستان ثم العراق، وما صاحب ذلك وما تلاه من ممارسات وحشية من قبيل تلك التي كشفت عنها فضيحة"سجن أبو غريب"في بغداد، فضلاً عن التلويح باستخدام القوة ضد أية دولة لا تستجيب لشروط الهيمنة الأمريكية، بدعوى أنها من الدول"المارقة"أو من أطراف"محور الشر".
ووسط هذا كله، كان هناك ولا يزال الدعم الأمريكي المطلق للممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، والتي تتنافي مع أبسط معايير القانون الدولي وحقوق الإنسان والأعراف الإنسانية. ومن الطبيعي أن تقود هذه التطورات إلى طرح تساؤلات عن النموذج المثالي الذي يُطرح للديموقراطية والنموذج الفعال الذي يُطبق على أرض الواقع.
فعادةً ما تُعرَّف الديموقراطية بأنها: نظام سياسي يوفر فرصة المشاركة لكل أعضاء المجتمع الذين لهم حق التصويت في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم الفردية والجماعية على حد سواء في أي من المجالات الاجتماعية أو السياسية.
كما تُعرَّف الديموقراطية بأنها: نسق سياسي قائم على مبادئ ممارسة الحكم من خلال موافقة المحكومين وتقبلهم له، على اعتبار أن الحكومة تستمد شرعيتها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من إرادة غالبية أعضاء المجتمع المحلي أو المجتمع بأكمله. ويقتضي نموذج الديموقراطية النيابية هذا عدداً من الشروط، مثل الانتخابات الحرة وسرية التصويت وتكافؤ فرص المرشحين، فضلاً عن المساواة أمام القانون، وحرية التعبير والنشر والاجتماع.
إلا إن أية نظرة فاحصة على الأوضاع في الولايات المتحدة ستكتشف أن النموذج الفعال المطبق في الواقع يختلف بشكل جوهري عن المثل الأعلى المطروح. فالمواطن الأمريكي الذي ينتخب أعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ ورئيس الدولة التي تريد أن تحكم العالم هو مواطن ساذج لا يعرف شيئاً عن علاقة الاقتصاد بالسياسة، وعن آليات الاستغلال الاقتصادي، وهو جاهل بما يجرى في العالم، والحزبان الرئيسيان (الديموقراطي والجمهوري) لا يقدمان له برامج توعية سياسية، ويكتفيان بتقديم برامج متناثرة لا يربط أجزاءها رابط، حتى ترضى معظم الأذواق، إن لم يكن كلها، وهي برامج تختزل تطلعات المواطن إلى بعدها المادي (الاقتصادي والجسماني) وقضيتها الأساسية هي إشباع تطلعاته الاقتصادية بشكل سريع ومباشر، ويتولى الإعلام الترفيه عنه وتفريغه من الداخل، من خلال تصعيد نزعاته الاستهلاكية والجسمانية، وحصره في عالم الحواس والسلع والمادة والأشياء.
كما أن المعركة الانتخابية في الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، تتكلف مئات الملايين من الدولارت، ومن ثم فلا مكان في هذه المعركة سوى للمرشح الثري الذي يمكنه تدبير الاعتمادات اللازمة للقيام بحملة انتخابية مستمرة وفعالة، أما المرشح الذي لا يملك مثل هذه الإمكانات فمصيره التهميش الإعلامي.
ويعني هذا، في عصر سيطرة وسائل الإعلام، أنَّ بوسع أصحاب المصالح وكبار الرأسماليين وجماعات الضغط التأثير في الانتخابات لا بسبب برامجهم السياسية وإنما بسبب ثرواتهم، أو لأسباب أخرى لا علاقة لها بمصلحة الجماهير أو مصلحة الوطن.
وقد كنت في رحلة علاجية في الولايات المتحدة عندما حدثت المواجهة الخطيرة بين دولتين نوويتين، هما الهند وباكستان، فسألت كبيرة الممرضات (وهي في منزلة الطبيب وتتلقى تعليماً جامعياً طويلاً مثله) عن رأيها في هذه المواجهة، ففوجئت بأنها لا تعرف شيئاً عنها، وبررت ذلك بقولها إن الهند وباكستان بعيدتان عن الولايات المتحدة!!
وذكر أحد الصحفيين الذين ذهبوا إلى العراق لتغطية الأحداث هناك أن الجنود الأمريكيين لا يعرفون أين هم ويسألون"أين القاهرة؟"، وبعضهم يتعجب من عدم وجود محلات ماكدونالدز ولا فتيات يمكنه اصطحابهن.
وكثير من أعضاء الكونجرس يخلطون بين العراق وإيران I r an و I r aq بسبب تقارب النطق بين الكلمتين بالإنجليزية، وبسبب جهلهم الشديد بالجغرافيا والتاريخ.