فهرس الكتاب
ومن المفارقات أن أحد أهم أعضاء الكونجرس الأمريكي هو عامل مبيدات من إحدى قرى ولاية تكساس، وهو من الصهاينة المسيحيين ولديه رؤاه الخاصة بآخر الأيام وهرمجدون ولا يعرف عن الشرق الأوسط إلا ما قرأه في العهد القديم!!
وقد ظهرت واحدة من أهم مشاكل الديمقراطية مع حرب العراق، حيث تظاهر الملايين في بريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة احتجاجاً على الحرب، وطالب مجلس الأمن بإعطاء المفتشين الدوليين مهلة للبحث عن أسلحة الدمار الشامل، ولكن حكومات هذه البلاد لم تلق بالاً لآراء الجماهير في بلادها ولا للمجتمع الدولي، ودفعت بقواتها إلى الحرب استناداً إلى معلومات ثبت بعد ذلك أنها كانت مختلقة وملفقة.
ومن أهم القضايا التي تواجهها الديموقراطية في التطبيق مشكلة المرجعية النهائية، أي مجموعة القيم التي تحكم الإجراءات الديموقراطية ذاتها. فبوسع 51 بالمئة من الناخبين أن يقرروا القانون والحقيقة والقيمة، أي أن عدد الأصابع المرفوعة هو المرجعية النهائية، فهي ديمقراطية بلا مرجعية فلسفية أو أخلاقية أو معرفية، ويمكن تسميتها"الديمقراطية الإمبريقية"، أو"الديموقراطية المنفصلة عن القيمة"value-f r ee democ r acy، شأنها شأن"العلم المنفصل عن القيمة"، و"حرية التعبير المطلقة المنفصلة عن القيمة". وقد ضرب أحد المفكرين مثلاً على ديموقراطية عد الأصابع بإحدى مباريات كرة القدم، وتساءل: إذا أحرز الفريق الضيف أهدافاً أكثر من أعضاء فريق البلد المضيف، فهل من حق أغلبية المتفرجين أن يقرروا ما إذا كان الفريق الضيف هو الفائز أم لا؟
والإجابة بطبيعة الحال بالنفي، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لمباراة في كرة القدم، فهل يصح تطبيق هذا المنطق على شيء بمثل أهمية القيم الإنسانية العليا كمرجعية نهائية؟
وتُعد التجربة النازية نموذجاً لتلك الديمقراطية التي لا مرجعية لها، والتي تُختزل في عد الأصابع. فقد وصل هتلر إلى الحكم من خلال القنوات الشرعية الديمقراطية، وحاز على رضا وإعجاب وحماس الشعب الألماني، وحينما بدأ الحكم النازي بتصفية الأقليات العرقية والدينية غير المرغوب فيها، مثل الغجر والمعوقين واليهود، باعتبارها عناصر بشرية تستهلك ولا تنتج، وافق أغلبية الشعب الألماني على عمليات التطهير العرقي. كما وافقت الشعوب الغربية على إرسال جيوشها إلى آسيا وأفريقيا فأبادت ما أبادت من بشر، وسخَّرت ما سخَّرت من شعوب، ونهبت ما نهبت من أراض.
وقد عبرت هذه الشعوب عن رأيها بشكل بالغ الديمقراطية، تماماً كما توافق الأغلبية الساحقة من أعضاء التجمع الصهيوني على عمليات البطش والذبح التي ترتكبها القوات الإسرائيلية، ويتمتعون بالمكاسب الاقتصادية التي تحققها عمليات البطش هذه.
فالديمقراطية الإسرائيلية هي ديمقراطية بلا مرجعية، وهي في هذا تشبه عصابات المافيا، حيث يتم كل شيء من خلال إجراءات ديمقراطية دقيقة لا غبار عليها ولا شبهة فيها، ولكن مرجعيتها النهائية هي الحق الذي تعطيه هذه العصابة لنفسها في سلب الآخرين حقوقهم وتقويض إنسانيتهم.
وفي إطار الديمقراطية المنفصلة عن القيمة، رشحت إحدى نجمات الأفلام الإباحية (البورنو) نفسها لعضوية البرلمان الإيطالي وكان برنامجها الانتخابي يتلخص في خلع ملابسها قطعة قطعة أمام السادة الناخبين. ويبدو أن هذا البرنامج الانتخابي له فعالية فائقة في بلد مثل إيطاليا، إذ نجحت السيدة (الفاضلة!) نجمة البورنو في الانتخابات!
ومن المشاكل الأخرى التي واجهت تلك الديمقراطية المفتقرة إلى المرجعية مشكلة الاستنساخ التي يرى الكثيرون أنها تهدد ظاهرة الإنسان نفسه. وقد أصدر الرئيس كلينتون قرارا بحظر الاستنساخ، وهو قرار لا علاقة له بالعلم أو بعدد الأصوات، وإنما يصدر عن مرجعية إنسانية عامة.
وتواجه الديمقراطية الغربية الآن مشكلة الزواج المثلي، أو الاتحاد المدني كما يسمونها، فمن يقف ضد هذا يستند إلى مرجعية دينية أو إنسانية متخفية، أما من يؤيده فهو يرضخ لمنطق الديمقراطية الإمبريقية وعد الأصابع.
لكل هذا؛
فثمة ضرورة لإعادة تعريف الديمقراطية، وبدلاً من القول بأن الديموقراطية هي"صوت واحد لكل مواطن"one man، one vote، يجب تعريفها بأنها نظام سياسي يعطي صوتاً واحداً لكل مواطن شريطة توفير المعلومات الكاملة له، وهذا مهم ومتيسر في عصر المعلومات.
كما يجب أن تُدار المعركة الانتخابية بشفافية بحيث تُتاح مساحة زمنية متساوية في وسائل الإعلام لكل المرشحين ويجب أن يُوضع حد أقصى لما يمكن للمرشح الواحد أن ينفقه، سواء على الإعلانات أو في إدارة حملته الانتخابية.
ومن الضروري أيضاً تقليم أظافر الدولة وبيروقراطيتها التعليمية والإدارية، التي عادةً ما تستقل عن مصالح الجماهير لتعبر عن مصلحتها هي، وذلك عن طريق زيادة فاعلية مؤسسات المجتمع المدني والنقابات وكل المؤسسات والتنظيمات غير الحكومية (التي تخشاها الدولة المركزية) ، والتي تعبِّر عن مصالح ومطامع الجماعات المختلفة في الوطن الواحد.