فهرس الكتاب
كما يجب التأكيد على أن الديموقراطية ليست هي رأي الأغلبية وحسب، إذ يجب أن تكون هناك ضوابط لحفظ الحقوق المدنية والدينية والثقافية لأعضاء الجماعات العرقية والدينية المختلفة، وربما أمكن تنفيذ هذا من خلال إقامة مجلسين: مجلس على أساس التمثيل الشعبي، ومجلس على أساس تمثيل الجماعات العرقية والدينية تكون مهمته مراقبة تنفيذ القوانين الخاصة بحقوق هذه الجماعات.
ولابد أيضاً من اتخاذ خطوات تكفل ألا تتحول المؤسسة العسكرية إلي جماعة ضغط خفية تتحكم في سياسات الدولة بل وفي كل شيء.
وقد ارتبطت الديموقراطية الإمبريقية في الغرب بالنظام الرأسمالي في كل وحشيته وداروينيته، وحددت الأولويات فيه انطلاقاً من هذه العقلية الرأسمالية التي جعلت من الربح الهدف الأسمى والوحيد، مما أدى إلى إهمال كثير من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية (ولعل النقد الاشتراكي لديموقراطية بلاد الرأسمال الحر يفيد كثيراً في فهم هذا الجانب) ، ولذلك فلابد من وضع الضوابط الكفيلة بكبح جماح الرأسمالية المتوحشة والشركات الضخمة، وتحديد هدف المجتمع بطريقة تضمن تحقيق الإمكانيات الإنسانية لكل أعضاء المجتمع وخدمة مصالحهم في حدود إمكانياته، وليس مجرد الربح ومزيد من الربح للشركات الرأسمالية وللأثرياء.
ولكن الأهم من هذا كله أن تكون مرجعية النظم الديموقراطية هي القيم الإنسانية العامة المتمثلة في المواثيق والأعراف الدولية المختلفة، مثل"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، و"ميثاق الأمم المتحدة"، واتفاقيات جنيف، ومبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وألا تخضع هذه القيم للتصويت أو لعد الأصابع.
وليس المقصود من الانتقادات السابقة رفض الديموقراطية، فهناك إنجازات تحققت بالفعل، ولابد من الاستفادة منها ومحاولة تطبيقها، مثل تعدد الأحزاب والفصل بين السلطات وخضوع السلطة التنفيذية للمساءلة أمام السلطة التشريعية، مع التنبه في الوقت نفسه للمثالب التي يتسم بها نموذج الديموقراطية الغربية. والله أعلم.