فهرس الكتاب

الصفحة 7621 من 27364

ياسر الزعاترة

تابعنا خلال الشهور الماضية جدلاً لم يتوقف حول الإصلاح الداخلي في الدول العربية، بل وحراكاً سياسياً واضحاً في بعض الدول، وكان جدل الداخل والخارج في معادلة الإصلاح حاضراً بقوة، فضلاً عن مبادرة البعض إلى التبشير بالزمن الأمريكي الجديد، وحيث اكتشفت الولايات المتحدة أن الأنظمة القائمة لم تعد تضمن مصالحها في المنطقة وأن الإصلاح هو الأفضل لحماية تلك المصالح، وهو ما عبرت عنه كوندوليزا رايس بقولها في القاهرة «على مدى ستين عاماً سعت الولايات المتحدة إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط على حساب الديمقراطية ولم ننجز أياً منهما، والآن نتبنى نهجاً مختلفاً، إننا ندعم التطلعات الديمقراطية لكل الشعوب» .

من حيثيات الجدل المذكور ما يتعلق بالحوار الإسلامي الأوروبي والأمريكي الأوروبي، حيث انشغلت بعض القوى الإسلامية بآفاق ذلك الحوار وفرصه ومحاذيره، وانقسم رموزها بين مؤيد ومعارض ومتحمس، فيما لم تخل الساحة ممن يرون الفرصة سانحة لتغيير الأوضاع القائمة لأن واشنطن عازمة على ذلك!!

كتبنا مراراً في هذا الموضوع، وقلنا إن واشنطن لن تستبدل أنظمة مطواعة بآخرين لهم أجندتهم المخالفة لأجندتها، ولاسيما في زمن المحافظين الجدد، حيث غدت تلك الأجندة محكومة للهواجس الإسرائيلية، ولكنها تستخدم قصة الحوار وضغوط الإصلاح في سياق المزيد من ابتزاز الأنظمة القائمة.

لقد أدركنا منذ البداية أن مشروع الشرق الأوسط الكبير ما هو إلا شكل من أشكال الاستجابة الأمريكية للمطالب الإسرائيلية بعد أن عجز مسار أوسلو عن تحقيق الأهداف التي بنيت عليه، والنتيجة أن الأوضاع القائمة في الدول العربية، على هزالها القائم لن تكون قادرة على تمرير اللعبة، ولذلك كان لا بد من إعادة إنتاجها على أسس جديدة، فكان احتلال العراق الذي أريد له أن يكون المحطة الأولى في مشروع الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.

الآن وبعد شهور عديدة على اندلاع ضجيج الإصلاح وأسئلة الداخل والخارج في سياقه يمكننا إجراء جردة حساب أولية لما جرى كي ندرك أي الرؤيتين كانت سليمة، وأيهما كانت خاطئة، مع أنه من المبكر الحديث عن نتيجة نهائية.

لقد تابعنا حراكاً سياسياً في عدد من الدول العربية لم يؤد إلى نتيجة إيجابية تذكر، اللهم سوى المزيد من التراجع الرسمي أمام مطالب البرنامج الإسرائيلي الأمريكي في المنطقة، ولعل نموذج موريتانيا والهجمة الواسعة على الحريات قبل الإطاحة بولد الطايع، وكذلك نموذج تونس يشكلان دليلاً على نمط التعاطي الجديد مع اللعبة.

لا خلاف على أن الحالتين الفلسطينية والعراقية تعدان من أهم النماذج الجديدة للإصلاح الأمريكي، فهنا ثمة ديمقراطية وتعددية من نوع خاص يراد لها أن تحمل المشروع الأمريكي الإسرائيلي، فالإصلاح الفلسطيني هو الوجه الآخر لمشروع التهدئة الذي أسدل الستار على انتفاضة الأقصى التي شكلت أسوأ مرحلة بالنسبة للاحتلال الصهيوني، وهو، إلى ذلك، عنوان للقبول بمسار سياسي لا يملك أدنى أفق مشرف. أما مسائل الإصلاح أو الديمقراطية والتعددية في الحالة العراقية فهي عنوان للقبول بوجود الاحتلال وهيمنته على المحاور الحيوية في بنيان الدولة، ومن ثم وضع هذا البلد الذي يملك واحدة من أهم مناطق النفط في العالم تحت الوصاية الأمريكية، وإذا لم يكن فهي الشرذمة والتفتيت كسيناريو قابل للتصدير إلى بقية دول المنطقة. ويكفي أن يؤخذ قرار التمديد لقوات الاحتلال بعيداً عن الجمعية الوطنية كي ندرك حقيقة اللعبة. والنتيجة أننا في الحالتين أمام ديمقراطية مبرمجة لا يمكن أن يسمح لها بتحقيق عكس المطلوب منها، وإذا وقع المحظور فسيكون الموقف مختلفاً إلى حد كبير، وإلا فهل يتوقع عاقل أن يسمح لحماس بالفوز على حركة فتح، أو أن يجري التسامح مع حلفاء إيران في حال مالوا إلى الاستئثار بالكعكة لحسابهم ومن ثم إدارة الظهر لواشنطن ومطالبتها بترحيل قواتها من البلاد؟!

في لبنان فقط جرى الانحياز للحريات، وبالطبع في مواجهة سوريا، وليس انتصاراً للتعددية الحقيقية، ولو خرج من بين اللبنانيين من يطالب بديمقراطية صوت واحد لرجل واحد لكان الوضع مختلفاً، وبالطبع إدراكاً لما يعنيه ذلك من هيمنة المسلمين الذين يشكلون 59% من عدد الناخبين وأكثر من ذلك من مجموع السكان بحسب الإحصاءات الرسمية.

أما في الدول الأخرى فليس ثمة تقدم يذكر، بل إن السياق العام ما زال يؤكد مقولة الابتزاز، وحيث يقايض التراجع السياسي داخلياً وخارجياً بمستوى الضغوط المتعلقة بالإصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت