فهرس الكتاب

الصفحة 22591 من 27364

عزيز محمد أبوخلف

السلف والعقل

السلف هم الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم الأصيل. لكن هذه الأصالة ما لبثت ان تعرضت للتشويه والتحريف بعد دخول أفكار اليونان إلى حقل المعرفة الإسلامي. أدى ذلك إلى تطور علم الكلام الذي يبحث في عقائد الإسلام من زاوية خاصة، وتغيرت وجهته ليعتمد منطق اليونان وعلومهم الطبيعية. ثم ثارت تساؤلات حول ما إذا كان السلف يدركون هذه الأفكار الجديدة المرتكزة على أثارة من العقل، وعلى أساس من تقديس علوم اليونان ومنطقهم.

لا شك ان هذا تساؤل يعكس اهتزاز الثقة بالنفس وشعورها بالعجز أمام الفكر الدخيل. وما كان تساؤل كهذا ليُثار لو ترسخت فكرة استقلال العقائد الاسلامية عن مثل هذه العلوم، وعدم حاجتها إليها. وهذه فكرة عظيمة مثيرة للانتباه، لأن العقائد، وهي تتسم باليقين والثبات، لا حاجة لها في ان ترتبط بعلوم تجريبية وعقلية سمتها الأساسية التحول والتغير والنسبية. ولو جرى إدراك ذلك لتبين للمفكرين في علم الكلام وجود المطلق والنسبي، وان البحث العقلي الخالص والتجريبي لا ثبات لهما على أرضية موضوعية. وربما كان وجه التاريخ ليتغير، ذلك ان العلم كان سيكون بأيدٍ امينة ترعاه وتستغله في صالح البشرية جمعاء.

كبائر علم الكلام

علم الكلام، الذي نصب نفسه مقرراً لعقائد الدين ومدافعاً عنها، اعتمد نظريات اليونان من الجوهر الفرد وحدوث الأجسام ومنطق ارسطو من بعد، ليقيم البراهين على إثبات الخالق، ومن ثم ليدلل على عقائد الإسلام الأخرى وما يتعلق بالذات الإلهية بشكل خاص. وفي خضم هذا البحث الشائك اضطر إلى ان يتسلح بسلاح متطور مبتكر هو التأويل والمجاز، لينسف أي نص يتعارض مع أفكاره، مفرغاً اياه من مضمونه ومحتواه الحقيقي، ليصير إلى معنى يوافق ما تقرر في علم الكلام هذا. وبذلك فقد يكون علم الكلام سبق الفلاسفة المعاصرين في الحرب على النص، وان الحقيقة لا تكون كامنة في الألفاظ على حد زعمهم. لكن الزعم بأن النصوص الدينية مفرغة من الحقيقة دونه خرط القتاد، وهو ابعد ما يكون عن عيونهم!.

علم الكلام اذن ارتكب كبيرتين فكريتين: أولاهما ربطه العقائد بالعلوم المتحولة المتغيرة، وثانيهما تفريغ النصوص من محتواها بالمجاز والتأويل لصالح هذه العلوم المتقلبة. والأخذ بالتأويل والمجاز يعني تقرير معنى غير ما يفيده ظاهر النص، وهذا المعنى يتوافق مع معطيات علمية أو عقلية معينة، والنتيجة هي صرف النص عما أريد له. وفي غياب الثقة بالنصوص الدينية فلا مفر من التأويل أو التفويض، والتفويض يكافئ القول بأن الله أعلم بمراده. وهذا لازم حتى لمن يتقيد بالقطعي الثبوت والدلالة في العقيدة، كما عند الكلاميين، وكما عند بعض المعاصرين كالعلامة النبهاني إمام التحريريين، وإن كان هذا الأخير غير ملزم بالنظريات العلمية والمنطقية، لأن العقل العقائدي عنده بمثابة تأشيرة الدخول في الإيمان وحسب.

الإعجاز العلمي يقدس العلم التجريبي

ولكن هل التاريخ يعيد نفسه؟ لو أمكن ذلك لوفر هذا على علماء النظرية النسبية البحث في السفر عبر الماضي، ليركزوا جهودهم على السفر عبر المستقبل. لكن هذا لا يمنع من تكرار بعض الوجوه في أنساق متشابهة. فقد حصل ما يشبه ذلك في الإعجاز العلمي الذي يضفي القداسة على اكتشافات العلماء التجريبيين بربطها بالنصوص القرآنية والنبوية. وهذا تقديس ضمني من قبل أهل الإعجاز العلمي للعلم التجريبي، بل هو إضفاء صفة المطلق على هذا العلم. ولكنهم مع ذلك يقولون انهم يرومون إثبات ان القرآن من عند الله، ومن ثم إثبات عقائد الإسلام بشكل علمي. وربما عليهم ان يحتاطوا بالقول ان ما توصلوا إليه اجتهادي، لكن في هذه الحالة يكونون قد ربطوا متحولاً بمتحول.

وقد سبقهم الفيلسوف كانط عندما جعل من فيزياء نيوتن علماً مطلقاً، متخذاً اياها الأساس في فلسفته العقلانية. ثم ما لبث ان تقزم هذا العلم المطلق أمام نسبية اينشتاين ليصير حالة خاصة منها. ثم ظهرت المفاجأة الأخرى بظهور ميكانيكا الكم لتقرر ان ما يجري على مستوى النظريات السابقة هو حالة خاصة مما يجري في عالم الذر، ولا تجري ملاحظته بسبب العدد الكبير من الجسيمات المجهرية في هذا العالم العياني. ولا ندري ماذا تخبئ لنا نظرية الأوتار الفائقة التي تقول بأن كل شيء هو نتاج نغمات راقصة لأوتار ذات مقاس متناه في الصغر، وأنها تتحرك في أبعاد مخفية.

فلسفة نقصان عقل المرأة

ولم يقف الأمر عند ربط العقائد بعلوم اليونان وعلوم العصر المتحولة، بل استمر سلاح التأويل في العمل، وبصور مختلفة. فكلما اصطدم نص مع فكرة سائدة من الحضارة الغربية صار اللجوء إلى التأويل متسارعاً، لأنه لا بد ان تكون السيادة للآخر، ولفكر الآخر. وهذا يعني ان النص الديني لا يحمل معناه في ظاهره، أو ان المعنى هو غير ما يفهمه المفسرون والمشايخ والمفكرون الدينيون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت