فهرس الكتاب

الصفحة 7662 من 27364

بيار عقل

هل القابلين للمبادرة الأمريكية"ناقصو الوطنية"؟

معظم الذين قرأوا موضوع"لماذا نؤيّد مشروع الشرق الأوسط الكبير؟"لم يعترضوا على ما جاء فيه، ولكن اعترضوا على عدم التطرّق للموقف الأميركي من القضية الفلسطينية. فكيف نقبل مشروع أميركا للإصلاح والديمقراطية في المنطقة العربية في حين تتّخذ إدارة الرئيس بوش سياسة منحازةً لإسرائيل إلى درجة لم تبلغها أية إدارة أميركية سابقة؟

والسؤال"بديهي"لدي أي عربي. ولو أنه ليس"بديهياً"بحدّ ذاته! و"البداهة"فيه هي أنه يكشف"الإرتباط"الحاصل، منذ أكثر من 50 عاماً، بين"القضية الفلسطينية"و"أنظمة الاستبداد العربية". وهذا ما كان يُتَرجَم، في الماضي، بمقولات من نوع أن"نظام صدّام (أو غيره) إستبدادي فعلاً، ولكنه يشكّل"متراساً"في وجه"الهجمة"الصهيونية والإمبريالية"!!

طبعاً، يمكن الردّ على الاعتراض"البديهي"بأسئلة لا تقع"بداهة". فلماذا تُقمَع حرية الصحافة بحجّة المواجهة مع إسرائيل؟ للحفاظ على الإسرار العسكرية، حسب خرافة كانت سائدة في الخمسينات والستينات والسبعينات؟ وهل توجد أسرار في عصر الأقمار الصناعية والإنترنيت؟ وإذا كانت الصحافة يمكن أن تكشف ما لا يجوز كشفه للعدو، فماذا الذي تكشفه كتابات نجيب محفوظ وبدر شاكر السّياب الممنوعة في أكثر من بلد عربي؟ وكيف يشكّل تشكيل نقابة لعمّال المطابع مثلاً تهديداً لـ"الأمن القومي العربي". وهذا حتى لا نتحدّث عن المخاطر المزعومة التي يمكن أن يشكّلها وجود قضاء مستقل، أو برلمان مستقل.

وبالمنطق نفسه، كيف تمثّل"البربرية"المنحطّة السائدة في سجون معظم البلدان العربية دفاعاً عن"الأمن القومي"المزعوم؟ أي، ما العلاقة بين هذه المظاهر"المألوفة"للمجتمعات العربية والسياسات التي تقرّرها إدارة بوش، أو غيرها، تجاه القضية الفلسطينية؟

هل القابلين للمبادرة الأميركية"ناقصو الوطنية"؟

لكن الردّ على السؤال بمثل هذه الأسئلة لا يكفي لإقناع المتشكّكين. ولذا، كان لا بدّ من الردّ على السؤال بخلفياته الحقيقية. فـ"الربط"بين الإصلاح الداخلي والقضية الفلسطينية هو في واقع الأمر ربط"قومي". أي أن المشكّكين ينطلقون من"غيرة قومية"مزعومة. غيرة على فلسطين أولاً، وغيرة على"العروبة"، أو على"السيادة العربية"التي لا يجوز لها القبول بـ"تدخّل أجنبي"في شؤونها.

وهذا"المنطق" (!) القومي هو ما يحتاج إلى ردّ. وهذا مهم لأن هذا المنطق المزعوم يتضمّن"منطقاً"آخر، مكتوماً أو صريحاً: وهو أن من يقبلون بالمبادرة الأميركية للشرق الأوسط الكبير هو من"ناقصي"الوطنية. أي من"المتواطئين"مع"الأجنبي". وكلمة"الأجنبي"، هنا، يمكن أن تحمل جميع المعاني الواعية وغير الواعية: فالأجنبي هو الأميركي والغربي عموماً، وهو"الروم"أو"العجم"، وهو أيضاً"غير المسلم"أو حتى"الكافر"، إلخ.. أي أنها تعبير يعطيه كل واحد من المتعاطين بالشأن العام، وكل مواطن، ما يمثّل خلفيته الثقافية والسياسية والدينية.

من استدعى الجيوش الغربية إلى المنطقة؟

لنبدأ بالنقطة الأولى. أليس من"أبلغ العبر" (والعرب يعشقون البلاغة) أن المسئول عن استدعاء القوات الأميركية والغربية إلى المنطقة، مرّتين خلال السنوات الـ13 الأخيرة، كان تحديداً"حزب البعث العربي الاشتراكي"، بجناحه العراقي؟

لقد كان الاستبداد الصدّامي، المستند إلى إيديولوجية قومية تتخلّلها ملامح فاشيّة واضحة، المسئول عن غزو بلدٍ عربي مسالم، مما استدعى تدخّلاً أجنبياً-عربياً عسكرياً في العام 1991. وكان نفس النظام المستبدّ، بما مثّله من مخاطر جسيمة على شعبه أولاً، ثم على جيرانه، وأخيراً على العالم كله، هو الذي تسبّب بالغزو الأميركي-البريطاني للعراق في العام 2003. هذه هي الوقائع. وكما قال الزعيم الكردي جلال الطالباني قبل أسبوع:"لم يكن التدخّل الأميركي في العراق الحلّ الأمثل، ولكنه كان الحلّ الوحيد الممكن".

إن صدّام"القومي العربي"بامتياز هو الذي جرّ على بلده، وعلى المنطقة، التدخّل الأجنبي.

وبالمناسبة، فلا معنى للقول بأن صدّام لم يكن يمتلك أسلحة الدمار الشامل التي تحدّث عنها الرئيس بوش. وذلك، حتى لو ثبت، في النهاية، أن نظام صدّام لم يكن يمتلك مثل هذه الأسلحة في العام 2003. لماذا؟

أولاً، لأن صدّام حسين استخدم هذه الأسلحة فعلاً ضد شعب العراق (حلبجة) ، وأجرى تجارب كيميائية وبيولوجية على المساجين السياسيين وغير السياسيين.

وثانياً، لأنه لم يكن بوسع جيران العراق، الأقربين والأبعدين (إيران مثلاً) ، أن يبنوا"أمنهم القومي"على فرضيات أن علماء صدام وجنرالاته كانوا يكذبون عليه، ويرفعون التقارير الكاذبة عن أسلحة وهمية غير موجودة في الواقع! ويعني ذلك أن أي سياسي إيراني"مسئول"كان سيجد نفسه مضطرّاً للشروع ببرنامج أسلحة مقابل و"سرّي"لمواجهة الخطر العراقي المفترض. وهذا ما قد ينطبق على جيران العراق الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت