فهرس الكتاب

الصفحة 7663 من 27364

ألا يوافق المعترضون"من زاوية قومية"أن غياب حرية التعبير في العراق هو الذي"ضخّم"خطر أسلحة الدمار الشامل الصدّامية؟ وأن بلداً يمتلك الحدّ الأدنى من الشفافية، أي من الحريات العامة، يحمي نفسه أكثر مما يحميها بلد يحكمه نظام فاشي مثل نظام صدام؟ إن العالم الحديث"قرية كونيّة"، وهذا يعني أن أية دولة لم تعد تمتلك"سيادة"مطلقة حتى ضمن أراضيها. لماذا؟ لأن نتائج مشاريعها الداخلية تؤثّر في جيرانها، وحتى في دول تبعد عنها آلاف الكيلومترات. وهذه خلاصة المشكلة الأميركية مع كوريا الشمالية.

ولنعطِ مثلاً يفيد أصحاب"الحساسية القومية": لقد اعترضت روسيا على برنامج الدرع"الدفاعي"الأميركي. لاحظ كلمة"دفاعي". لماذا؟ لأن تطوير صواريخ أميركية قادرة على اعتراض الصواريخ النووية الروسية وتدميرها يعني أن روسيا ستفقد"رادعها"النووي، وتصبح بالتالي مكشوفة لخطر ضربة أميركية أولى. ألا يعني ذلك أن"السيادة"الأميركية"ناقصة"، لأنها مضطرة لمراعاة المخاوف الروسية؟

هل من حاجة لإضافة أن الإسبتداد الديني لم يسفر عن نتائج مغايرة؟ فالبربرية"الطالبانية"استدعت بدورها تدخّلاً دوليا حرّر الشعب الأفغاني من قبضة القرون الوسطى ومن الإرهاب المموّل عربياً.

ولا نجد حاجةً كبيرة، في سياق الأمثلة، للإلحاح على تهافت"الروح الوطنية"الجديدة و"العداء لأميركا"الذي اكشتفته أنظمة مثل المملكة العربية السعودية. فالسعودية نفسها تعرف، في ما نعتقد، أن أمنها"الوطني"مرتبط إرتباطاً وثيقاً بـ"العلاقة المتميّزة"مع الولايات المتحدة.

والخلاصة، هنا، هي أن المشكّكين بـ"وطنية"من يؤيّدون مبادرة"الشرق الأوسط الكبير"هم الأكثر"أهلية"للطعن في وطنيتهم. و"العبر بالنتائج"، كما يُقال.

ماذا عن القضية الفلسطينية؟

والسؤال، هنا، هو: هل يمكن لعالم عربي ديمقراطي أن يظلّ على دعمه للشعب الفلسطيني؟ ألا تعني الديمقراطية والإصلاح أن شعوب المنطقة ستنهمك بترتيب"بيوتها الداخلي"على حساب شعب فلسطين؟

ولنفترض، أولاً، أن هنالك إقراراً ضمنياً حتى من خصوم المبادرة الأميركية بأن القمع الفظيع الذي عاشته شعوب المنطقة طوال أكثر من خمسين عاماً لم يخدم قضية فلسطين. وإذا كانت"العبر بالنتائج"، فأنظمة الاستبداد العربي لم تحرّر فلسطين، بل وخسرت أراضي 67.

إن أي نظام عربي لا يرفع اليوم شعار تحرير فلسطين. وجلّ المطروح هو استعادة الأراضي المحتلة في العام 1967 مقابل السلام، أي"مبادرة الأمير عبد الله". هذا يعني أن أنظمة الاستبداد العربية، و"زمرها"العسكرية الحاكمة فقدت"شرعيّتها"السياسية، باعترافها هي نفسها. وهذا، إلا إذا أعلنت هذه الأنظمة رفضها لـ"مبادرة الأمير عبد الله". وهذا م لم يحصل.

الأفق السياسي العربي-الفلسطيني الآن هو: انسحاب إسرائيل من الأراضي غير الفلسطينية التي احتلّتها في 1967 (أي الجولان عملياً) ، وإقامة دولة فلسطينية في الضفّة الغربية وغزّة.

وينبغي أن يتركّز النقاش، إذاً، حول النقطة التالية: هل يتعارض مطلب الإصلاح السياسي، وتوسيع الديمقراطية، وإعادة الإعتبار لـ"المرأة"، مع هذه الأهداف العربية؟

لنلاحظ، أولاً، أن أكبر مظاهرة في الشرق الأوسط إحتجاجاً على مجزرة صبرا وشاتيلا جرت في.. إسرائيل. وليس في أية عاصمة عربية. ببساطة، لأنه يحق للإسرائيلي أن يتظاهر، في حين لا يمتلك المواطن العربي هذا"الحق"! ولنلاحظ، ثانياً، أن نظام الفساد والفردية والبداوة الذي شرعت سلطة ياسر عرفات بإقامته في الضفة وغزّة لعب دوراً مهماً في تراجع الدعم الأوروبي والأميركي للفلسطينيين، وسهّل خطّة شارون باستبعاد عرفات من الواجهة. وهذا ما لا ينكره الفلسطينيون أنفسهم. وبكلام فلسطيني"لم يفهم عرفات أنه لا يستطيع أن يتعامل مع شارون مثلما تعامل مع سليمان فرنجية".

يتغيّر السؤال إذا، ليصبح: أيّهما أفضل لإدارة الصراع مع إسرائيل؟ منطقة ديمقراطية، أي متصالحة مع نفسها، أم منطقة عرضة لهزّات داخلية، وحروب أهلية محتملة؟

ولا يستطيع أحد أن يجيب عن السؤال الآن. فمستقبل الصراع العربي-الإسرائيلي مرهون بعوامل كثيرة، داخلية وخارجية. ولكن رأي"الديمقراطيين"، أي القابلين بمشروع الإصلاح والتغيير الأميركي-الأوروبي هو أنه الحل الوحيد (وقد لا يكون"الأمثل"، بتعبير جلال الطالباني مرة أخرى) للحؤول دون انهيارات عربية تجرّ على المنطقة تدخّلات أجنبية جديدة، وتؤخّر الانسحاب الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة.

الحل الأمثل يكون بمبادرات إصلاح عربية ذاتية تفرضها مؤسّسات المجتمع المدني العربية. وهذا، لو كانت مثل هذه المؤسّسات موجودة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت