فهرس الكتاب

الصفحة 633 من 27364

يعتبرون رضاها من رضا الرب :' المسيحيون الصهاينة '.. في خدمة إسرائيل

عبد الله صالح

شهدت الأيام القليلة الماضية تجدد المظاهرات أمام مبنى الكونجرس الأمريكي للمرة الثانية خلال هذا الشهر من جانب مجموعة ممن يطلقون على أنفسهم"المسيحيون الصهاينة"، طالبت المظاهرات بتراجع بوش عن وعوده بإحياء خارطة الطريق، رافعين شعار.."إسرائيل أولًا".. وتأتي هذه المظاهرات بعد نحو أسبوعين من اندلاع مظاهرات مماثلة لجماعات منتمية للمسيحية الصهيونية، في أعقاب لقاء الرئيس الأمريكي بوش بالعاهل الأردني الملك عبد الله، والذي أكد خلاله أهمية التفاوض المباشر بين الإسرائيليين والفلسطينيين لحل القضايا موضع الخلاف، وهو ما اعتبره المتظاهرون تراجعًا أمريكيًا عن الضمانات والوعود الأمريكية لشارون بأن تضم إسرائيل أجزاء من تلك الأراضي التي احتلتها عام 1967 إلى أراضيها بما يتوافق مع موازين القوى ومع متطلبات الأمن الإسرائيلي.

ورغم الفجوة الهائلة بين رسالة الضمانات التي قدمها الرئيس الأمريكي لرئيس الوزراء الإسرائيلي التي اعتبرت بمثابة وعد بلفور جديد، وبين التطمينات التي قدمها للعاهل الأردني، فقد شكلت الأخيرة"صدمة"قوية للمسيحيين الصهاينة، واعتبروا ما فعله الرئيس الأمريكي بمثابة ردة عن النهج الأمريكي الجديد في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، الذي قام على تأكيد سياسة الأمر الواقع كبديل عن الشرعية الدولية. وقال المتظاهرون في بيان لهم"نحن المسيحيون الصهاينة.. مهمتنا توفير الدعم لدولة إسرائيل والشعب اليهودي وتحقيق مشيئة الرب.. إننا نريد أن يتفهم الآخرون أن رضا الرب من رضا إسرائيل".

والصهيونية المسيحية هي حركة سياسية ترجع إلى ما قبل إنشاء دولة إسرائيل، سعت دائمًا لممارسة الضغوط على الإدارات الأمريكية المتعاقبة من أجل الدفع في اتجاه إقامة وطن لليهود في فلسطين، واستخدموا لتحقيق ذلك كافة وسائل العمل السياسي والإعلامي والمنابر اللاهوتية. وقد شكل تيار المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة أداة هامة للصهيونية في تحقيق مشروعها، وفي اجتذاب قطاع كبير من الأوساط البروتستانتية الأصولية في الولايات المتحدة. وزاد من تهود المسيحية الأمريكية التحولات العميقة في الثقافة الدينية الأمريكية منذ السبعينيات حتى اليوم، فقد خرجت الكنائس من الزوايا وهوامش المجتمع، إلى صدارة الحدث السياسي والاجتماعي، بفضل ثورة الإعلام والاتصال، وخصوصا عبر ما يدعى (الكنائس التلفزيونية) ، وتوسعت الطوائف الأصولية على حساب المسيحية التقليدية. وأصبح تيار"المسيحيين المولودين من جديد"Bo r n Again Ch r istians في اتساع مطرد، وهو أكثر التيارات المسيحية تماهيا مع اليهودية، وبالتالي مع عصمة الدولة اليهودية وقدسيتها.

ولأول مرة في الولايات المتحدة وصل إلى البيت الأبيض عام 1974 رئيس يعتز بانتمائه إلى هذا التيار، وهو الرئيس جيمي كارتر، الذي عبر عن حقيقة الرباط العقدي بين اليهود والمسيحية الأمريكية في خطاب له أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1979 قال فيه:"إن علاقة أميركا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة.. لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تقويضها، لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي".

وقد برز التأثير الكبير للمسيحية الصهيونية على الإدارات الأمريكية منذ وصول اليمين المحافظ أو"المحافظين الجدد"إلى الحكم في عهد الرئيس رونالد ريجان عام 1980، ولعبت القوى المسيحية الصهيونية دورًا كبيرًا في صياغة أفكار اليمين المحافظ، كما أمدته بكوادر وكفاءات بشرية نادرة، مما جعل مفكري هذا اليمين المحافظ يعبرون عن جوهر فكر المسيحية الصهيونية، ويوظفونه عمليًا في السياسة الخارجية الأمريكية، وتشكل تحالف وثيق بين المحافظين الجدد والمسيحية الصهيونية، عبر عن نفسه بصورة واضحة في سياسات إدارة بوش الحالية.

ووفقًا للخطاب المسيحي الصهيوني، فإن العودة الثانية للمسيح مرتبطة بوجود إسرائيل في فلسطين، وتمكينها على من سواها، ووفقًا لهذا التصور، فإن إسرائيل تعد بمثابة قضاء إلهيًا، ومن ثم فإن معارضة سياستها تعد خطيئة دينية، ويصبح دعمها وتأييدها في سبيل مرضاة الله، وتكون تقويتها عسكريًا واقتصاديًا ومساعدتها ماديًا وتسويق منتجاتها وسنداتها وإنشاء صناديق الاستثمار الدولية لمصلحتها، وبناء المستوطنات فوق الأراضي المغتصبة وتوفير وسائل المعلومات والتقنية لها، واجبًا مقدسًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت