ضياء رشوان 15/10/1427
لاشك أنه ليس هناك من اختلاف اليوم في أي مكان في العالم ولا بين أي فئة من النخب المختلفة من سياسيين وإعلاميين وباحثين وغيرهم، على أن العالم كله يشهد خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الوجود الإسلامي الحركي بصوره المختلفة. ويتسم ذلك الوجود الحركي الإسلامي المتصاعد بخاصيتين رئيسيتين من حيث الطبيعة والشكل، وأخرى ثالثة من حيث السياق الجغرافي.
الخاصية الأولى: أنه ينقسم من حيث الجوهر والطبيعة إلى ثلاثة أقسام كبرى:
الأول يشمل الكيانات السياسية - الاجتماعية السلمية التي تضع تطبيق الشريعة الإسلامية في قمة أولوياتها، وتسعى بنشاط فائق من أجل تحقيق ذلك الهدف في المجتمعات التي توجد بها، وهي تتخذ غالباً شكل جماعات وأحزاب سياسية. ويشمل القسم الثاني الكيانات الإسلامية ذات الطبيعة الدينية التي تركز على أولوية تصحيح ما تعتقد أنه خلل في عقائد المسلمين أفراداً ومجتمعات ودولاً، ومعظم تلك الكيانات التي تتخذ عادة شكل جماعات وتنظيمات ذات طابع سري تنحو أكثر باتجاه الممارسات العنيفة التي تضعها تحت لافتة"الجهاد". أما القسم الثالث فهو يشمل الكيانات الإسلامية الأكثر اهتماماً بتنظيم سلوك الأفراد المسلمين والعلاقات الاجتماعية التي تربط بعضهم ببعض، وفقاً لما تعتقد أنه النموذج الإسلامي المثالي المستمد من السلف الصالح، ويتخذ معظم تلك الكيانات شكل الجمعيات والجماعات الأهلية ذات الطبيعة العلنية.
أما الخاصية الثانية لذلك الوجود الإسلامي الحركي الموزع بين الفئات الثلاث السابقة فهي أنه يتخذ- كما سبقت الإشارة ضمناً- أشكالاً تنظيمية مختلفة تتغير حسب طبيعة الكيان الإسلامي ما بين أحزاب سياسية وجمعيات أهلية ونوادٍ ثقافية واجتماعية وجماعات أدبية كلها علنية، غير التنظيمات والجماعات ذات الطابع السري.
وفي ظل هاتين الخاصيتين الرئيسيتين للوجود الإسلامي الحركي المعاصر تظهر الخاصية الثالثة التي تتعلق بالسياق الجغرافي، وهي موضع تركيز السطور الحالية. فمن الملاحظ أنه على الرغم من تواتر القول وشيوع حقيقة اتساع وامتداد الوجود الإسلامي الحركي بصوره المختلفة السابق الحديث عنها خلال الأعوام الأخيرة، فإن هذا الوجود لا يتخذ أشكالاً تنظيمية أو آليات عمل ذات طابع عالمي مشترك أو موحد حتى بين الكيانات المنتمية لفئة واحدة من الفئات الثلاث السابق الحديث عنها. فالواضح هو أن مختلف الكيانات الإسلامية من الفئات الثلاث لا تتشكل في بلدانها الأصلية سوى بصور تتناسب مع الظروف الخاصة التي يمر بها هذا البلد، ولا تتصل أو تنسق مع الكيانات المماثلة لها في بلدان أخرى سوى في التوجهات شديدة العمومية. وربما يشذ عن تلك القاعدة نوعان من الكيانات الإسلامية، على الرغم من الاختلاف البيّن فيما بينهما.
أولهما هو الحركة العالمية للإخوان المسلمين الذين يمثلون أبرز الكيانات الإسلامية السياسية - الاجتماعية السلمية على مستوى العالم؛ إذ يتوافر لها هياكل قيادية موحدة وخطوط إستراتيجية عامة مشتركة تقوم بإقرارها تلك الهياكل، بينما تملك فروع الحركة الوطنية المختلفة كل الحق في تحديد ما تتبناه من سياسات وتوجهات دونها.
أما الكيان الثاني فهو المعروف اليوم باسم تنظيم أو شبكة القاعدة، وهو الممثل الأبرز لفئة الكيانات الإسلامية الدينية ذات الطابع الجهادي أو العنيف؛ إذ تشترك الفروع أو الجماعات المندرجة ضمنه في كثير من التوجهات العامة والأفكار والممارسات العملية، على الرغم من التباعد الجغرافي بين المناطق والبلدان التي تتواجد فيها. أما الكيانات الإسلامية ذات الطابع الاجتماعي فلا يكاد يوجد بينها أو لها على الصعيد العالمي أي شكل موحد أو آلية للتنسيق فيما بينها.
ويبدو واضحاً أن هذا الوضع لا يعد هو الطبيعي ولا الأمثل للكيانات الإسلامية على المستوى العالمي من حيث القدرة على التنسيق فيما بينها سواء في الأفكار أو الممارسات التي تفضي إلى وجود عالمي مؤثر لها متجاوز أي تناقض أو تعارض فيما بينها في هذا الجانب أو ذاك المحور. وتزداد استثنائية ذلك الوضع وخطورته عند النظر إلى الأوزان المختلفة للفئات الثلاث لتلك الكيانات؛ إذ يبدو واضحاً أن الغالبية الساحقة منها تنتمي للفئتين الأولى السياسية - الاجتماعية والثالثة الاجتماعية المركزة على الطابع السلوكي، في حين تظهر كيانات الفئة الثانية ذات الطابع العنيف والجهادي في وضع هامشي قليل العدد والتأثير بالمقارنة بها، ومع ذلك فهي تبدو أكثر تنسيقاً وتكاملاً على المستوى العالمي من الفئتين الأخريين. كذلك يبدو ذلك الوضع المفتت للفئتين الأكبر والأهم من الكيانات الإسلامية على الصعيد العالمي، متناقضاً مع ما تطرحه وتعتقده هي نفسها من دور"عالمي"للإسلام لا يبدو في واقع الممارسة العملي أنها تسعى إلى وضعه موضع التطبيق.