أنور علي العسيري 4/10/1423
يتلبس العالم اليوم مفهوم جديد يشكل في ذهنه تنظيما مستحدثاًُ لأشكال التعاون بين الدول ، يحاول أصحاب هذا النظام إقناع المجتمعات البشرية بمستقبل يوحد ارثها الحضاري تحت عباءة تجربة حضارية عالمية واحدة تضع نفسها أنموذجاً للتطبيق على الآخرين! فمنتجات العالم الفكرية والتقنية خاصة وسائل الاتصال ستؤدي تلقائياً إلى توحد ثقافات الشعوب واندماجها فيما يحقق عالمية الأهداف والمصالح . هذا الطرح يقود إلى إلغاء خصوصية الضعيف الذي لا يملك ما يروج به منتجه الحضاري... نحو القبول بكونه متلقياً لمفردات الحضارة الجديدة لاصانعا لهاً ، وهنا سيكون متلقياً للتجربة الليبرالية الغربية الممثلة بمركز العالم الجديد ؛ الولايات المتحدة الأمريكية .
دعوات خبيثة تهدف لفصل ثقافات الشعوب وهدم حدودها ومسح هويتها باتجاه الذوبان الكلي في قلب منتج ثقافي لدولة واحدة لا يتذكر التاريخ لميلادها سوى سنين حبو أولية ! من هنا حاولنا وعبر نقاط مختصرة أن نلقي بأدواتنا على حدودها نقرأ واقعاً له مسبباته، مسترشدين بسنة الله في استحالة ثبات الدورة الحضارية للأمم ، لعلنا نستشف شيئاً ما خلف ضجة أبواق الشر الأبيض .
يبدو أن بوش الابن يحاول فرض العولمة التي أصدرها واثقا بوش الأب بعد انتهاء حرب الخليج الثانية وذلك عبر القوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية يغلف هذه الحملة الضخمة إعلام أمريكي موجه بشكل جديد من الاستخراب ليس في خانة مواجهة الجيوش أو تصدير الأيديولوجيات ... إنما في تحقيق هدف خلاصته: القبض على زمام الوعي العالمي وتوجيهه بل واستنساخ عواصم غربية مشوهة في مناطق العالم تحمل نماذجها ولا تحمل قوتها!
ما نؤكده رغم آراء أساتذة السياسة الأمريكية وخبراء اقتصادها ومهندسو فكرها في شأن قدرة أمريكا على فرض نمط العولمة الشاذ على الشعوب أن صانع القرار السياسي الأمريكي لم يعر بالا لخصومه لأنه تكلم بلغة فوقية وهذه اللغة هي التي ستفتك بسرير العسل الذي تنام بين أحضانه أمريكا اليوم ولا أدل على هذه اللغة من تجاهلها لتزايد العداء الشعبي العالمي تجاه سياساتها في العالم بيئية كانت أو سياسية أو اقتصادية .
أهداف الأمركة العالمية:
هناك محاور رئيسة يقرأ المتابع من خلالها خريطة الأهداف الأمريكية الموعلمة:
ثقافية: بحيث يتم تذويب كل الثقافات تحت مظلة الثقافة الأمريكية، تلتقط الشعوب فتات نسقها الثقافي المستقبلي من قيم لا تنتمي لها ، ترتدي النساء السترة التي أعجبت بها فتاة أمريكا أولا ! ويشاهد أطفال العالم أفلام الكرتون التي أدهشت أطفال أمريكا أولا.
اقتصادية: بحيث تكون هي مركز العالم المنتج ويتحول العالم إلى غابة متشابكة لا تؤدي سوى دور الخدمة عبر إمداد السيد الأمريكي بحاجته من المواد الخام واستهلاك ما ينتجه بعد ذلك .
سياسية: وهنا تتضح معالم التحيز الأمريكي في العالم ففي حين نجد أمريكا تتدخل في دول بحجة الدفاع عن الديمقراطية فهي في المقابل لا تتحدث عن أبسط انتهاكات حقوق الإنسان في دول أخرى ، فسياسة أمريكا أن تكون هي قطب العالم السياسي وتحول الدول إلى أنظمة سياسية تحت سلطتها عبر دعم إقامة أصاف أو أرباع ديمقراطية في البلدان المختلفة بحسب المصلحة وعبرها تستطيع تمرير عبثها الانتهازي في السيطرة على الشعوب ومقدراتها .
لقد فرضت أمريكا على نفسها وعبر هذه الرؤية للعالم مواجهة من نوع آخر ؛ مواجهة تقف فيه أمام الشعوب . فهل تنتصر أمريكا على شعوب ترفضها ؟
نستطيع القول إن نجاح أمريكا في الضغط على كثير من الأنظمة السياسية في دول العالم البعيد والقريب من خلال التأثير المباشر أو غير المباشر في سلوك متخذ القرار السياسي ودفعه إلى تطبيق سياساتها ؛ لا يعني انتصارها في ميدان الشعوب ، فقد يكون نظام العولمة الجديد القشة التي تقصم ظهر البعير الأبيض ولا أدل على ذلك من مظاهرات المئتين ألف شخص في مدينة جنوة ضد استبداد سيدة الديمقراطية العالمية وأن كانت تلك مجرد خطوة شعبية مزية ألا أنها بداية قوية لرفض نمط من الاستبداد الجديد عبر تزايد التنظيمات الغير رسمية في التأثير، وهذا التطور لهذه التنظيمات مرتبط حتماً بتزايد مسلسل الاستبداد الأمريكي العالمي !
ما قبل سقوط العولمة:
تدور هذه الأيام محاولات جادة للخروج من قفص السيطرة الأمريكية على العالم شكلتها قوى ضغط شعبية في أوروبا أثرت في صانع القرار الأوروبي ، وأخرى شرقية ذات نظام طامح للسيطرة ؛ منها:
الاتحاد الأوروبي: بتكتل واندماج وتسارع وستغلال كل فرصة سنحت لكسب جولة تعينه على التفوق ولو المعنوي على أمريكا!