عيد بطاح الدويهيس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد فقد حاولت أيها القارئ الكريم والقارئة الكريمة في هذا الكتاب الاستشهاد ببعض الأدلة الشرعية والتاريخية والمنطقية التي تثبت أن إصلاح الواقع يتطلب إصلاح الشعوب أولا وأن اي تغييرات تحدث في الحكومات لن تاتي بثمار طيبة كثيرة إذا كان الواقع الشعبي كما هو لم يتغير، وأن ما نشاهده بواقعنا من خير وشر هو في أغلبه ما زرعناه كشعوب وهو ما نستحقه.
ولقد ذكرت كثيرا من الأمثلة التي تثبت أن الانحراف عن المبادئ موجود فينا كأفراد وأسر وأحزاب وجماعات وقبائل وشعوب ونمارسه في عقائدنا وحياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالتعصب العرقي بكافة أنواعه موجود، والمصالح الشخصية تؤثر فينا بدرجة كبيرة، وكثيراً ما تكون مناهجنا في تربية أبنائنا بعيدة عن المباديء الإسلامية، ولا يهتم كثير منا ببناء التعاون العربي... إلخ، وإذا لم ننجح بإصلاح أنفسنا وإيجاد أفراد صالحين وأسر سعيدة وعمال نشطين وتجار أمناء ومدرسين مخلصين وطلبة جادين وأحزاب وجماعات عادلة وجمعيات فعالة فإننا لن ننجح في إيجاد حكومات عادلة ومخلصة.
ولندرك أن من أصعب الأمور علينا كأفراد وجماعات وأحزاب وشعوب أن نعترف بأننا بحاجة إلى إصلاح، فنادراً جدا ما نقابل من يعترف بأنه أخطأ في حياته الشخصية أو السياسية أو الفكرية لأن هناك أعذار وأوهام كثيرة
نقدمها ونصدقها تبرر مواقفنا وعقائدنا وسلوكنا وحتى كسلنا
وصراعاتنا، كالزعم بأن الآخرين هم سبب الفشل والظلم والتعصب
والأنانية والتخلف سواء كان الآخرون حكومة أو فرداً أو حزباً أو شعباً.
ونحن اليوم بحاجة ماسة لتسليط الأضواء على السلبيات الشعبية ومطالبة أصحابها ونحن منهم بإصلاح أنفسهم، قال تعالى: ?إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم? فهذا هو المدخل الرئيسي لإصلاح الواقع، لأن الانحرافات الموجودة في واقعنا أغلبها شعبية المصدر كسبب أو نتيجة، أي هي انحرافات شعبية أو عقوبة على انحرافات شعبية، قال تعالى: ?وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون? (129 سورة الأنعام) وهذا لا ينفي أن يكون للحكومات دور في سلبيات الواقع، ولكن هذا الدور يبقى ضعيفا وثانويا، ومن الخطأ أن نعطيه وضعا اكبر من حجمه فالحكومات يأتي منها خير وشر بحسب إيمانها وعلمها وإخلاصها، وهي مسئولة أمام الله سبحانه وتعالى عن أعمالها، ولكن قدرتها على تغيير الواقع واصلاحه تبقى محدودة لأن أغلب أوراق الإصلاح بيد الشعوب.
وقد يرى البعض في هذا الكتاب نوعا من جلد الذات أو معاقبة النفس أو نتيجة اليأس، أو انعكاساً لمرارة الواقع، وأقول إن الأمر ليس كذلك بل هو إن شاء الله بحث علمي أمين جاء نتيجة سنوات طويلة فيها معايشة واطلاع وتأمل وتفكير ونقاش في واقع شعوبنا وأمتنا. فحتى لا تضيع كثير من جهود الاصلاح بلا فائدة، وحتى لا تحمل حكومات مخلصة أكثر مما تستطيع، وحتى لا تتصارع القوى المخلصة في الشعوب والحكومات، فمن الضروري أن نقتنع بأن الإسلام والعقل يدعواننا إلى تبني شعار"إصلاح الشعوب أولاً""."
وفي الختام أجد من واجبي أن أشكر كل من ساعدني في إنجاز هذا الكتاب، واسال الله سبحانه وتعالى أن يجزيهم خير الجزاء وأن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وأسال كل من انتفع بشيء منه أن يدعو لي، ولوالدي، والمسملين أجمعين.
عيد بطاح الدويهيس
الكويت 19 شعبان 1417
29 ديسمبر 1996
حتى يُغيروا ما بأنفسهم
نقرأ ونسمع آراء وأفكاراً حول تغيير الواقع، ومناهج الإصلاح، فهناك من قال إن تبني النموذج الغربي وتقليد الغرب هو الطريق إلى الإصلاح، وقال آخرون: إن الاصلاح لن يحدث إذا لم نؤمن بالأفكار الاشتراكية والتغييرات الثورية، وقال غيرهم: إن الاصلاح يبدأ بتغيير الحكومات ولا فائدة من إصلاح الأفراد، وقالوا إن الاخلاق ليس لها دور في البناء فالمهم هو الوعي السياسي وقالوا: إن العقائد لا دور لها في عالم الواقع، وأنها قضايا إيمانية نظرية وقالوا... وقالوا ... وبعد دراسة وبحث عرفنا أن العقائد بمفهمومها الشامل هي أساس كل بناء، وأن الاخلاق هي أحد أعمدة الإصلاح الرئيسية. وبدونها تزدهر اسواق النفاق والكذب والغدر والحسد والبخل والسرقات. قال أحمد شوقي رحمه الله:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإنما همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا