* د. أحمد درويش
تمهيد لقد عرفت البشرية في تاريخها الطويل كثيراً من الثقافات المتعاقبة والمتحاورة والمتصارعة، وكان جزء من سر تقدم البشرية يكمن في هذه الصلة المعقدة التي كانت تتبادل فيها الثقافات والحضارات مواقع الصدارة دون أن تصل واحدة منها لفرض هيمنتها المطلقة على كل ما عداها، كانت الوسائل المتبعة في طرح ثقافة أمة على أمة أخرى تتمثل غالباً في اللجوء إلى (( إغراء العرض ) )، وعندما كان يتم اللجوء إلى (( سطوة الفرض ) )كان يقترن ذلك بالتعسف الواضح وبمطالبة المضطهدين بإعادة هويتهم إليهم، وبتعاطف الآخرين معهم.
لكن النقلة النوعية التي حدثت مع ثقافة العولمة في العلاقة مع ثقافة الآخر تكمن في أنها لجأت إلى ما يمكن أن يسمى (( إغراء الفرض ) )، بمعنى أنها لم تعد تعرض بل تفرض، ولكن هذا الفرض لا يأتي من خلال استخدام العصا أو السيف، وإنما من خلال استغلال الإغراءات التي منحتها التقنيات الحديثة في الاتصال، وقد أدى ذلك إلى تغيير جذري في نظرية حوار الثقافات، تمثل هذا التغيير على نحو خاص في محورين:
1 ـ اللجوء إلى ثقافة الصورة بدلاً من ثقافة الكلمة.
2 ـ التوجه المباشر للقاعدة العريضة دون التوقف للجدل مع الصفوة.
ونبادر فنقول: إن هذين المحورين في ذاتهما يمكن أن يشكلا عاملاً إيجابياً مهماً على طريق (( عولمة المعرفة ) )إذا ما أحسن استغلالهما من كل الأطراف الغازية والمغزوة، ولكنهما يشكلان عامل تهديد خطير لمقومات التماسك الثقافي والقومي للأطراف الأقل قوة وتقدماً إذا لم يتم التعامل معهما بوعي وتخطيط مدروس.
ويعتبر البعد الثقافي للعولمة من أكثر الأبعاد تأثيراً على هوية الفرد والجماعة معاً، وبالتالي على صمود أو ذوبان مجموعة من الكيانات القومية المستهدفة، في مقدمتها الكيان العربي الاسلامي. ومع أن الثقافة كانت دائماً عنصراً مهماً في حملات الترويج الإيديولوجي أو الغزو الاستعماري يراد من خلالها طرح أفكار الغالب على المغلوب، أو تحطيم روح المقاومة من خلال إضعاف عناصر الروح القومية لدى الشعوب المستهدفة، فإن موقع الثقافة في نظرية العولمة قد ازداد أهمية إلى حد بعيد، وشهد نقلة نوعية، فلم يعد الاستهداف الثقافي وسيلة إلى غاية، وإنما أصبح غاية في ذاته لقد ارتقت الثقافة من كونها وسيلة لتحقيق الغايات، لتكون هي الغاية ذاتها وكان من الطبيعي أن تسعى القوى الرأسمالية التقليدية، وقد أدركت الاحتمالات الاقتصادية الهائلة للموارد الثقافية إلى تحويل الثقافة إلى واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية التي تحكم موازين القوى عالمياً إن لم تكن أهمها على الإطلاق.
ومن هنا ظهرت كثير من ردود الأفعال لدى أصحاب الثقافات المتماسكة يعلنون فيها أنهم يرحبون بالاشتراك في عولمة ثقافية لكن بشرط أن يساهموا بنصيب في صنعها، وألا تكون (( غربنة ) )تكتسي ثقافتها العالمية بثقافة الغرب وحدها، وهي الثقافة التي أعلن هنتنجتون أنها لا تقبل الدخول للآخرين في نسيجها بسهولة، وهناك دراسات لكتاب صينيين ويابانيين وأفارقة تمثل لوناً من الصدى الإيجابي لفكرة التوازن في ثقافة العولمة.