إنه لمن المستغرب ما نسمعه ونشاهده اليوم من هجمة شرسة على الكل بوجه عام، وعلى المرأة بوجه الخصوص، في هذه البلاد التي أعزها الله وشرفها بكونها مهبط الوحي، منبع الرسالة ومقر الحرمين الشريفين.
غير أن فئة من المستغربين، وأدعياء التحرر والمساواة، لا يريدون لها ذلك، فهم يسعون جاهدين لهتك ستر الفضيلة والحياء بدعوى الحرية والمساواة ورفع الظلم عن المرأة - زعموا - وبالتأمل في دعواتهم وشعاراتهم نجد أن هناك ثغرات استطاعوا الدخول منها إلينا، وهي سلوكات مرفوضة من الدين، وتبدر من بعض ضعاف الإيمان. أذكر أبرزها:
* التعسف والتشدد من بعض الآباء وأولياء الأمور ومنع مولياتهن الزواج ورد الخطاب، حتى تصل الفتاة إلى سن يعزف عنها الشباب الراغب في النكاح، أو تزويجها بمن لا ترغب فيه.
* سوء معاملة الأزواج لزوجاتهن، واستبداد الرجل بالرأي، وعدم مشاركة الزوجة حتى في أخص الخصوصيات كتزويج ابنتها .. أو نحو ذلك.
* عدم العدل لمن تزوج بأخرى، وإهمال الزوجة الأولى بعد الزواج بأخرى، والتنصل من المسؤولية، وتركها وأولادها تواجه صعاب الحياة.
* منع المرأة حقها في الميراث، وخصوصاً في بعض القرى، وفي حين مطالبتها بهذا الحق يتحامل عليها الأولياء، وتقطع من قبلهم.
* تسلط الأولياء على المرأة، وأخذ مالها، ومنعها حق التصرف فيه.
* العضل سواء من ولي المرأة، أو زوجها لتفتدي نفسها دون أن تجد لها نصيراً.
* منع النفقة الواجبة للزوجة على الزوج، ومطالبتها بالنفقة، خصوصاً إن كانت ذات مال.
* الظلم الذي تعانيه كثير من المطلقات بعد وقوع الطلاق من الإضرار بها، ومنعها حق رؤية الأبناء أو الاتصال بهم، أو ترك الأولاد معها بدون نفقة أو رعاية من الأب، بالإضافة إلى ما تجده المرأة المطلقة من سوء معاملة الأهل والأقارب. ومما تجدر الإشارة إليه مقال نشرته جريدة عكاظ في العدد 1266 يوم الجمعة 7 ذوالحجة من عام 1421هـ بعنوان"المطلقات في الأرض"تكلم فيه الكاتب عن تصرف بعض الرجال مع زوجاتهم السابقات، وطلاقهم لهن بعد طول العشرة بدون اعتبار لمعاناتهن وتضحياتهن من أجل هؤلاء الأزواج، ثم تبقى بدون عائل ولا ناصر... ويختم مقاله بقوله:"أعلم أن الزوج غير ملزم بالنفقة على مطلقته، فماذا تعمل هذه المطلقة؟ وإلى أين تلجأ؟ وكيف تعيش؟ ومن ينصرها؟"
أسئلة كثيرة تتقافز من مخابئها، وأنا لا أملك أو لا أعرف أي إجابة فقهية لمثل هذه الأسئلة، فقط أتمنى أن أجد إجابة شافية عند مشايخنا الأفاضل حول أولئك الرجال الذين يقذفون بزوجاتهم عند نصف المشوار أو آخره، من غير أن يكون للزوجة أهل أو مأوى أو مجال للاكتساب ...."إلخ."
ولو راجع الكاتب باب النفقات في كتب الفقه لعرف كيف أن الإسلام قد ضمن الحقوق وأوجد التكافل بين جميع أفراد المجتمع (راجع المغني لابن قدامة9/256،257،7/582،583) ، فهذه المطلقة لا بد أن تكون أماً أو أختاً أو عمة أو جدة، ومن هنا فالإسلام قد ضمن لها حق النفقة علىولدها أو ولد ولدها أو ابن أخيها... وهكذا، وإن لم يوجد قريب على الإطلاق فهناك"الضمان الاجتماعي"وهذه غالباً حالات شاذة.
ومن هنا أبين موقف الإسلام من مثل هذه الحالات - باختصار - حتى لا يظن ظان أن ذلك من الإسلام، فأما ما يتعلق بتزويج الفتاة فالإسلام اعتبر رضاها فلا تزوج إلا بإذنها، ففي الحديث"لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر".
يقول ابن قدامة - رحمه الله:"أما الثيب فلا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن إذنها الكلام للخبر، ولأن اللسان هو المعبر عما في القلب..."اهـ (6/493) ، أما البكر فإذنها صماتها، أي سكوتها كما في الصحيح:"لا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله، فكيف إذنها؟قال: أن تسكت" (متفق عليه) .
وأما ما يتعلق بسوء معاملة الزوجات فنعلم أن الإسلام قد حث على حسن معاملة الزوجة، وجعل خير الرجال خيرهم لأهله، كما في الحديث:"خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (صحيح الجامع:3314) .
وفي الحديث:"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم" (رواه الترمذي وابن حبان والحكام وصححوه) .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر"أو قال:"غيره".
وما زال صلى الله عليه وسلم يوصي بهن خيراً حتى آخر لحظة من حياته فعند موته يوصي بقوله صلى الله عليه وسلم"استوصوا بالنساء".
وكان يداعب أهله ويلاعبهن، ويسرب البنات لعائشة - رضي الله عنها - ليلعبن معها، ويستشيرهن في المهمات كما استشار أم سلمة - رضي الله عنها - في صلح الحديبية.
وقد أباح الإسلام التعدد ولكن بشروط منها العدل، والقدرة وحذر من الميل لإحداهن ومنع الحق عن الأخرى، في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل" (رواه النسائي) .