فهرس الكتاب

الصفحة 1685 من 27364

محمد كمال منصور

لا نقصد بالعنوان تبني فكرة"المؤامرة"بمعناها الشائع؛ حيث إن هناك يداً خفية توجه الأحداث من وراء ستار لتحقيق أهداف ومقاصد خاصة ضد الذين تقصدهم المؤامرة، لكننا نقصد بالمؤامرة هنا مجموعة من الإجراءات والعمليات التي تجري في وضح النهار، يستند القائمون على هذه الإجراءات والعمليات إلى مراكزهم في السلطة والتي تعطيهم الصلاحية في مباشرتها. والمؤامرة تأتي من أن القائمين على تدبير هذه العمليات لا يعبِّرون عن تاريخ الأمة أو مصلحتها أو احترام خصوصيتها ودينها، إن المؤامرة تأتي من فكرة الاغتصاب، سواء على مستوى تولي مواقع السلطة أو الانخراط في مجموعة من الإجراءات التي لا تعبر عن دين الأمة أو نظامها الاجتماعي، وإنما هي تعبير صريح عن رغبة كاذبة في الالتحاق بالمنظومة الفكرية والثقافية للغرب من ناحية، وتعبير - أيضاً - عن إرادة ضعيفة بل ومسلوبة تجاه الاكتساح الغربي - المنظم - للنظام الاجتماعي الإسلامي عبر ما نطلق عليه"عولمة القيم الثقافية والاجتماعية للغرب".

ويستند الغرب في ذلك إلى مجموعة من المعاهدات ذات الطابع الدولي والتي تفرض التزاماً دولياً على من يوقع عليها.. تختفي هذه المعاهدات في الواقع وراء ما يطلق عليه الغرب"حقوق الإنسان".. وتأتي حقوق المرأة في مقدمة هذه الحقوق بحيث تكون مدخلاً لإعادة بناء النظام الاجتماعي الإسلامي بما يحوله في النهاية إلى صورة مشوِّهة للنظم الاجتماعية الغربية.

الانتقال من السياسة إلى المرأة:

في الفترة الاستعمارية كانت حركات التحرر في العالم الإسلامي ومصر تتبنى هدفاً وحيداً وهو الاستقلال والتحرر من الاستعمار، بينما كان يروِّج للأفكار والنظم الغربية مجموعة من المثقفين والمفكرين اللادينيين (العلمانيين) الذين رأوا أن نهضة العالم الإسلامي تتحقق عبر تبني قيم العالم الغربي.. أي أن إجابتهم عن السؤال"كيف تتحقق النهضة؟"كانت تتمثل في اتباع ما سار عليه الغرب حذو القذة بالقذة شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب دخلناه وراءهم.

الفكرة الأساسية هنا هي أن الحكومات - في الفترة الاستعمارية - كانت تتبنى المطالب السياسية، بينما كان المثقفون من خارج السلطة - وغالبهم تعلم في الغرب وتشرب قيمه - كانوا يدعون إلى نمط الحياة الغربية أي أن الثقافة كانت تعمل في فضاء مختلف عن السياسة، ومع انتهاء الفترة الاستعمارية ومجيء ما نطلق عليه"دول ما بعد الاستعمار"، فإن النظم السياسية الجديدة بدأت في تبني بعض البرامج الاجتماعية والثقافية والسياسية، وبينما كانت السياسة - فيما يبدو - تناطح الغرب، فإن القيم الثقافية والاجتماعية لهذه النظم كانت غربية، لذا دفعت هذه النظم المرأة المسلمة للخروج إلى العمل على نمط المرأة الغربية.

ففي الفترة الناصرية - مثلاً - لم يكن أجر الغالبية العظمى من الرجال يمكنهم من الاستقلال وحدهم بالإنفاق على بيوتهم، ومن ثم كانت الفكرة الرائجة وقتها ضرورة خروج المرأة للعمل؛ لكي تساند في تحمل عبء الإنفاق على الأسرة، وأدى الاستقلال الاقتصادي للمرأة إلى تمردها وفرديتها ومن هنا تراجعت فكرة قوامة الرجل في بيته، كما بدأت ظواهر مجتمعية جديدة تتسلل إلى المجتمع المصري، ومنها: تزايد نسب الطلاق، ارتفاع نسبة جنوح الأطفال، إقامة علاقات خارج نطاق الزواج الشرعي، نبذ الحجاب وتحطيم الحواجز في العلاقة بين الرجل والمرأة بسبب الاختلاط. لقد كان النظام الناصري نظاماً لا دينياً (علمانياً) يتبنى قيم الغرب المجتمعية والثقافية.. باسم الحداثة التي لم تكن تعني في الواقع - لدى النخبة الحاكمة - سوى التغريب.

في هذه المرحلة كان الغرب قد استطاع أن يكوّن زمراً ثقافيةً تتبنى قيمه بحيث أصبحت هذه الزمر وكيل الغرب الثقافي في مصر والعالم العربي والإسلامي.. لم يكن النظام الناصري ليجرؤ على أن يقدم نموذج المرأة المسلمة في مواجهة الغرب الذي زرع في عقول النخبة السياسية والثقافية أن الحضارة والحداثة لها منطقها الذي لا يقاوم وأن المعيار لها هو المعيار الذي وضعه الغرب.. وهذا المعيار هو تقديم المرأة على نمط المرأة الغربية بلا حجاب ولا حياء.. بل إن المبالغة في الالتحاق بالحداثة جعل المرأة في العالم الإسلامي وفي مصر تسرع بخطوات أكثر من المرأة الغربية فبدت الحداثة لديها شكلية متمثلة في المكياج ومقص الخياط والكوافير.. هنا النظم السياسية انتقلت تدريجياً في فترة ما بعد الاستعمار لتتبنى البرامج الاجتماعية التي تعكس القيم الغربية بحيث لم يعد الاستقلال - الذي تحقق - هدفاً، وإنما أصبح الهدف هو تمثل قيم التغريب والحداثة في الجانب الاجتماعي والثقافي كجزء مما يصوره الساسة والنخبة أنه معاصرة.. وإذا كنا نقاوم الغرب سياسياً، فلسنا أقل حق في الاجتماع والسياسة.. وليس نساؤه بأفضل من نسائنا.. ومن هنا كان دفع المرأة دفعاً حتى لو لم تكن راغبة؛ لتكون شهادة للنظام لدى العالم على العصرنة والحداثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت