فهرس الكتاب

الصفحة 1686 من 27364

وكما هو معلوم، فإن القيم تأخذ وقتاً طويلاً في تغييرها بأكثر مما تأخذ الأشياء الحادثة.. لكنه في العالم الإسلامي وفي مصر، على وجه الخصوص، فإن القيم الاجتماعية المتصلة بترتيب أوضاع المرأة في المجتمع قد تغيرت على نحو صارخ ومذهل، بحيث لم تأت ستينات القرن إلا وقد تحققت آمال قاسم أمين.. بل إن قاسم نفسه لو رأى ما انتهى إليه حال المرأة في مصر لفزع.. لقد أصبحت المرأة في شوارع القاهرة لا تختلف عن مثيلتها في شوارع باريس ولندن وبرلين وواشنطن.. ولم يكن الأمر فقط أمر ترويج للأفكار الثقافية، وإنما كان أمر تبني النظم السياسية لهذه الأفكار ووضعها موضع التحقيق والتنفيذ. عمل النظام الناصري في هذه الفترة على إلغاء المحاكم الشرعية والتي كانت تقوم بالفصل في المسائل المتصلة بالزواج والطلاق والإرث والنفقة والمتعة وغيرها، وكان القصد من وراء ذلك إثبات علمانية النظام الذي يسعى إلى جعل المرجعية للقانون الوضعي والنظر إلى المواطنين جميعاً باعتبارهم مواطنين متساوين في دولة يحكم علاقتهم بها نظام قانوني موحد.

لقد كانت المحاكم الشرعية مؤسسة تشير إلى وجود بقايا نظام قانوني واجتماعي إسلامي يستند إلى الشريعة وينظر في الفصل فيه قضاة متخصصون في الفقه والأحكام الشرعية، وأحسب أن المحاكم الشرعية كانت المؤسسة الأخيرة ضمن النظام السياسي الناصري والتي كانت تشير إلى المرجعية الإسلامية. وظلت لائحة ترتيب المحاكم الشرعية ضمن قوانين لا دينية أخرى تمثل القانون الذي يرجع إليه القاضي في المحاكم للفصل في قضايا الأحوال الشخصية. وفي عهد السادات حدثت ضجة ضخمة حول قانون تبنته"جيهان السادات"وقتها للأحوال الشخصية كان أشبه بالقوانين اللادينية التي أقرها بورقيبة في تونس، ووقف الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر - بقوة - ضد هذا القانون اللاديني الذي أباح الزنى ومنع الزواج الشرعي بأخرى.. ووقتها وضع الشيخ"عبد الحليم محمود"قانوناً بديلاً للأحوال الشخصية يستمد كل مواده من الشريعة الإسلامية؛ لأن الرجل رأى أن هناك نية من النظام السياسي للتلاعب بالنظم الاجتماعية ليس على مستوى القيم والثقافة، وإنما على مستوى القوانين.. وتم إجهاض مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي تبنته"جيهان"إبان الفترة الساداتية.

وفي الواقع كان مشروع"جيهان"استجابةً لرغبة النخبة السياسية المتغربة وأفكارها، كما كان استجابةً للمعاهدات الدولية التي تم توقيعها في إطار الأمم المتحدة والتي استهدفت تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة فيما يتصل بمنع الرجل من الزواج بأخرى باعتباره تمييزاً ضد المرأة.. وإعطاء المرأة الحق في السفر بدون إذن الزوج باعتباره تقييداً لحرية المرأة. والنظم السياسية انتقلت من المطالبة بالاستقلال السياسي إلى التلاعب بالنظم الاجتماعية عبر تسميات غامضة، مثل التنمية، وتم إخراج المرأة إلى الشارع وإلى العمل وتم نزع حجابها وتم امتهانها بشكل قاس في وسائل المواصلات والمؤسسات العامة وأصبح معيار"المواطنة"بالنسبة للمرأة هو أن تكون"عاملة"لا"ربة بيت"؛ لأن المرأة العاملة تقبض أجراً في مقابل عملها، بينما ربة البيت لا تتلقى مقابلاً.. بل وفق هذا المنظور المادي الإجرامي، فإن المرأة المواطنة هي التي تقبض أجراً مقابل عملها حتى لو كانت داعرة.. بينما المرأة التي تبقى في منزلها لا تعد مواطنة؛ لأنها لا تأخذ مقابلاً.

مبارك والإجراءات الجديدة:

شهدت فترة حكم مبارك سقوط الاتحاد السوفيتي والانتصار النهائي للغرب عليه، وبدأ مفكرو الغرب يتحدثون عن"نهاية التاريخ"بمعنى توقف الجدل الإنساني؛ لأن للتاريخ والتقدم طريقاً واحداً هي طريق التحررية (الليبرالية) الغربية، وعلى العالم كله أن يتبع طريق الغرب فليس هناك طرق بديلة.. وفي الواقع، فإن مقولة"نهاية التاريخ"التي أطلقها الأمريكي"فوكوياما"هي تعبير عن قمة الغزو الفكري الذي أصبح يُعبر عنه الآن بالعولمة. ورغم أن العولمة تركز على الأبعاد الاقتصادية، إلا أن جوانبها الفكرية والاجتماعية والثقافية لا تقل خطراً وأهمية.. وطرح"هنتجتون"مقولة"صراع الحضارات"، كما طرح مفكرون كثيرون - في الغرب - أطروحة"العدو البديل"والخطر الإسلامي"والخطر الأخضر وقوس الأزمات.. المهم أن انفراد الغرب بقيادة النظام الكوني جعله ينتقل من الصراع السياسي وصراع المصالح مع العالم الإسلامي إلى"صراع الأفكار والنظم والقيم"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت