لمحة عن النموذج الترابي التونسي
بقلم نوفل بن إبراهيم ـ باحث تونسي مقيم في النرويج
محمد جلال القصاص
أثارت تصريحات الترابي الأخيرة زوبعة في السودان وصلت إلى حد مطالبة علماء السودان في"الرابطة الشرعية لعلماء ودعاة السودان"باستتابته, بعد أن وثقوا تصريحاته في إباحة الخمر مدة معينة, وإنكار الحجاب الشرعي وأن شعر المرأة ليس بعورة, وأن اليهود والنصارى مؤمنين وليسوا كفارا, وأن للمرأة أن تؤم الرجال في الصلاة, وأن شهادتها ليست نصف شهادة الرجل وإنكار نزول المسيح, وأن من يقول بذلك جاهل! إلى غير ذلك من الشطحات التي عرف بها.. والتي لا يستغربها من عرف الترابي في مجالسه الخاصة ومن عرف متطرفي الترابيين.
وقد وصلت أصداء زوبعة تصريحات الترابي القديمة المتجددة إلى الأوساط الدعوية والإعلامية خارج السودان, ربما بحثا عن أضواء افتقدها, أو انتقاما من العلماء والدعاة الذين قاوموه في السودان وخارجها وفرحوا بإبعاده عن الحكم في السودان, إلا أن المشكلة هي أن الردود تحصر الأمر في شخص الترابي, الذي لم تعد له قيمة في حد ذاته بعد أن فقد نفوذه وأهميته في السودان, وانفض من حوله أغلب أتباعه, غافلة أو متغافلة عن التيار الترابي في البلاد العربية, الذي يظل بعيدا عن المراجعات مطالبا غيره بها، وهو الأحوج إليها، خاصة وهو بصدد التحول, إن لم يتدارك عقلاء الإخوان المسلمين وعلماءهم الأمر, إلى طابور خامس داخل الحركة الإسلامية, ينظر إلى التدخل الأمريكي في البلاد العربية, كأمر مفروض لا مفر منه باسم الواقعية واستيعاب المرحلة.
ففي حين تشن حملات إعلامية ممنهجة وإرهاب فكري منذ سنوات على بعض التيارات الإسلامية مطالبة إياها بالمراجعات, وهي مراجعات مطلوبة من الجميع بلا شك، وخاصة ممن تورطوا في مسارات ومناهج خاطئة خالفت مقاصد الشريعة وأضرت بمصالح المسلمين.. فمتى يؤوب الترابيون أيضا إلى المراجعات, بعد أن وصلت الأمور إلى افتئات واضح على بعض أحكام الشريعة، وملامح بدايات تنظير للاستقواء بالأمريكان"لتغيير"الأوضاع الراكدة في البلاد العربية؟!
* الترابي والترابيون:
التيار الترابي أو الترابيون، كما يسميهم الشيخ الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس, أحد قيادات الإخوان المسلمين في الأردن، الذي هاله ما أحدثه الترابي وأتباعه في إخوان الأردن, فكتب عن الظاهرة يقول:"الترابي والترابيون: هم جماعة فتنوا بأفكار حسن أحمد عبد الله الترابي, وهو سوداني النشأة والحياة, درس القانون وتخرج من الجامعة الفرنسية"السربون"حاصلا منها على درجة الدكتوراه. والترابيون هم الذين فتنوا به وأعجبوا به من السودان ومن غير السودان, فله معجبون في الأردن وفي اليمن و في الجزائر وفي سوريا وفي لبنان وفي تونس .. ومن أكثر البلاد تأثرا به, نفر من الاخوان المسلمين الأردنيين ...".
* توطئة:
لقد أحدث الترابي شرخا كبيرا وفادحا في الحركة الإسلامية في البلاد العربية لا يزال قائما إلى اليوم, وخاصة في جماعات الإخوان المسلمين والتيارات القريبة منها, والبلد الذي حقق فيه التيار الترابي أكبر اختراق بعد السودان طبعا, هو تونس، حيث استحوذ التيار الترابي منذ 1981 على زمام"حركة الاتجاه الإسلامي"التي تحولت فيما بعد إلى حركة النهضة, فقد تبنت قيادة الحركة وعلى رأسها قائدها ومنظرها راشد الغنوشي, فكر ومنهج الترابي تبنيا كاملا منذ وقت مبكر, ولكنها حافظت في نفس الوقت بخلاف الترابي, على ارتباطها بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين, مجتهدة في تسويق منهج الترابي وفكره داخل صفوف تنظيمات الإخوان المسلمين, فهاهو الغنوشي يسافر برفقة عزام التميمي إلى الأردن في الثمانينات للدعوة لمبايعة إخوان الأردن للترابي زعيما للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين!
وإذا كان هناك حديث كبير في الكتابات الإسلامية عن ما يسمى بالتيار العصراني أو ما يسميه البعض بالتيار التغريبي داخل الحركة الإسلامية, واختراقه للفكر الإسلامي وللإخوان المسلمين والجماعات المشابهة لهم, والجذور العلمانية للكثير من رموزه الذين قدموا من تجارب يسارية قومية, لينقلبوا بعد تدينهم بين عشية وضحاها إلى منظرين للفكر الإسلامي ودعاة للتنوير والتجديد الإسلامي!, يعني ليفصلوا لنا إسلاما على مقاسهم!...فإن هنالك غفلة عن أن الاختراق الترابي للإخوان المسلمين كما أحسب, هو الذي مهد الأرضية لتقبل هؤلاء المفتئتين على الشريعة القادمين من تجارب علمانية ويسارية مثل محمد عمارة وغيره.
ولذلك كان من الخطأ اعتبار الترابي مجرد عصراني من العصرانيين وعدم التأكيد على أنه صاحب مدرسة هي الأخطر في هذا المجال, مدرسة تجمع بين العمل الفكري المخالف في عدد من جوانبه لمنهج التلقي والاستنباط والعمل الحزبي والكفاح السياسي, بل والعسكري إن لزم الأمر...