ياسر الزعاترة 23/2/1426
كتبنا وسنظل نكتب عن الاستهداف الأمريكي لسوريا، وانتصرنا لها وسنظل نفعل في سياق المعركة اللبنانية مع الذين استقووا بالخارج عليها، وقبل ذلك كنا معها في مواقفها من الصراع مع الصهاينة، تلك التي كانت في عمومها الأقرب إلى نبض الشارع العربي، لكن ذلك لم يكن لينسينا ذلك الجانب المتعلق بشؤون الداخل السوري الذي آن له أن يشهد نقلة إلى الأمام تضع الجماهير في صلب المواجهة مع الاستهداف الخارجي كي لا تتكرر التجربة العراقية، يوم كانت الجماهير في انتظار أي شيطان يأتي من الخارج ليخلصها من حكم بالغ في القمع إلى درجة لا يمكن لأحد أن يبررها، حتى لو كان له موقفه من أشكال الخروج المختلفة على النظام من قبل الشيعة والأكراد، بل وبعض السنة ممن كانت لهم محاولاتهم الانقلابية على النظام أيضاً.
ما يجب أن يقال ابتداءً هو أن مواقف حزب الله، ومجمل تيار الموالاة من الوجود السوري في لبنان ومن القرار 1559، وتأثير ذلك على ميزان القوى في اللعبة اللبنانية لصالح دمشق، كل ذلك لن يغير من حقيقة أن المعركة لا تزال في بداياتها، وأن تواصلها ليس موضع شك لدى المراقبين العارفين بالسياسة الأمريكية في عهد المحافظين الجدد.
نذكر بذلك لأن الولايات المتحدة لم تكن معنية في يوم من الأيام بمنطق العدل وسؤال الأغلبية والأقلية كي تقنعها مسيرات الموالاة بأن اللبنانيين يريدون علاقة خاصة مع السوريين، أو أنهم يرفضون قرار مجلس الأمن الدولي، فهي معنية أولاً وأخيراً بمصالح الدولة العبرية ثم مصالحها تالياً، لاسيما ما يتعلق بآليات خروجها من المأزق العراقي وصولاً إلى تمهيد الطريق من أجل إنجاح مشروع الشرق الأوسط الكبير.
نعيد التذكير بهذا الجانب كي لا يعتقد البعض أن المعركة قد انتهت، أو على وشك الانتهاء، وأنه لا قيمة لنصيحة تتعلق بالداخل السوري، وهو ما لا يبدو منطقياً بحال من الأحوال، ونتذكر كيف استجاب العراق لكل شروط ومتطلبات التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل وقدم جميع التسهيلات المتعلقة بهذا الشأن، لكن ذلك لم يجد نفعاً في مواجهة نوايا إمبريالية لا حدود لجشعها وغطرستها.
ما يجري مع سوريا اليوم هو تكرار لذات السيناريو العراقي، ولا مجال أمام دمشق سوى الالتحام بجماهيرها وإجراء تغييرات حيوية تدفع باتجاه تحسين شروط المواجهة مع المخططات الخارجية التي تهب عليها مثل عاصفة هوجاء.
صحيح أن المعطيات العامة تبدو مختلفة من زاوية الداخل والخارج، إذ لا مجال لمقارنة الوضع السوري بالعراقي، لا من زاوية تعقيدات الداخل، ولا من زاوية القدرة على إدارة المعركة بقدر من الحكمة، فضلاً عن طبيعة التهم الموجهة إلى دمشق واحتمالات التدخل العسكري المباشر. لكن ذلك لا يغير من جوهر الملاحقة التي تتم فصلاً إثر آخر، وبوتيرة متسارعة وإصرار واضح.
ما ينبغي أن يقال ابتداءً هو أن إصلاح الوضع الداخلي السوري ليس في حاجة إلى استهداف خارجي يستدعي تمتين الجبهة الداخلية، فالدولة الأمنية التي تتعامل مع مواطنيها بمنطق العصا الثقيلة لم تعد مقبولة في هذه المرحلة، وإذا كان الإسلاميون السوريون قد أخطأوا في تقدير الموقف والتبعات عندما تورطوا في المواجهة المسلحة مع الدولة في الثمانينات، تلك التي تمت بغير رغبة ولا تخطيط منهم كما دلت معطيات كثيرة، فإن ذلك، على أهميته، لا ينبغي أن يكون مبرراً لاستمرار النهج الأمني الذي كان سابقاً على تلك المواجهة، فكيف وهم قد عادوا واعترفوا بخطأ ما جرى، وإن بشكل غير مباشر، وقدموا برنامجاً سياسياً متقدماً، فيما وقفوا من استهداف بلدهم مواقف وطنية مشهودة ولا زالوا يقفون؟
لقد حصل ما هو أسوأ من ذلك في الجزائر، كما حصل في مصر أيضاً، فيما وقعت مواجهات في الأردن مع منظمة التحرير، بل وحرب أهلية في لبنان أيضاً، لكن ذلك لم يدفع إلى تكريس النظام الأمني المطلق، بل كانت مصالحات بصرف النظر عن تقييمها من زواياها المتعددة.
من المؤكد أن سوريا الأسد الابن هي غير سوريا الأسد الأب، إذ أن تغييرات ما قد حصلت في بنية الدولة، لكن ما ينبغي التذكير به بالمقابل هو أن زمن الابن يختلف عن زمن الأب، في حين لا يبدو من العسير القول إن نهج الدولة الأمنية لا زال سارياً إلى الآن، ولا حاجة إلى تقديم الأدلة على ذلك، فهم يعرفونها كما نعرفها ويعرفها المواطن السوري في الداخل، فضلاً عن مئات الآلاف من السوريين في الخارج ممن لا يزالون محرومين من زيارة بلدهم فضلاً عن الحصول على أوراق ثبوتية غير مزورة!!
إن أحداً لا يطالب بتحويل سوريا إلى السويد أو سويسرا بين عشية وضحاها، لكن معارضة تعض على جراحها وترفض وضع يدها في يد أعداء بلدها وتملك كل هذا الحس الوطني الذي تبدى خلال السنوات الأخيرة، مثل هذه المعارضة تستحق ما هو أفضل مما لاقته إلى الآن، الأمر الذي ينطبق على المواطن السوري الذي لا زال يعيش هواجسه التقليدية في التعامل مع الدولة وأذرعها الأمنية.