صخرة الخلاص
لا يزال المجتمع السعودي على وجه التحديد، هو المجتمع الذي يستعصي على العلمانية والليبرالية، ولا زال الصخرة التي تتحطم عنها آمالهم وتطلعاتهم.
المجتمع السعودي يثبت في كل لحظة -أعني في كل لحظة يكون فيها الخيار حراً- أن الناس تختار ربها ودينها وإسلامها، وأن كلمات الليبراليين لن تتجاوز قدرها المحصور في جريدة زرقاء أو خضراء.
لكن الملاحظ أن الأقلية العلمانية -ولا يوجد ليبرالية سعودية إلا جدلاً- استطاعت أن تفرض لها وجوداً عريضاً على الورق الصحفي، وتكتب وتجادل وتصارع، حتى يخيل لك أنهم نصف البلد أو أكثر. وهذا أمر لا يستغرب إذ الإعلام بيدهم وهم الذين يتصرفون فيه كما يشاءون، فيمنعون ويفسحون ما يشاءون.
هذا لا يهم.. بقدر انجرار بعض الأحبة الفضلاء في تضخيم هؤلاء وإعطائهم أكبر من حجمهم في أرض الواقع، وهم -أي الليبراليين- يريدون أن يوهموا المجتمع بأن حجم صراعهم الورقي هو نفس حجم وجودهم المجتمعي، وأظن أنهم لحد بسيط نجحوا حينما انجر بعض الفضلاء في جعل الليبرالية هي قضيته في برامجه وحواراته ومقالاته.
هذا ما يريده هؤلاء فعلاً، ولدي سؤال بسيط للأخوة الفضلاء: ما هو حجم العلمانية عندنا؟ وهل تتوقع أن تجد لهم همساً لو مُنعوا من الصحافة الوطنية؟
الكل سيؤكد أنهم أقلية قليلة تُعد على أصابع اليد، وإنما كبروا لأن الجرائد المحلية تُركت بأيديهم، وهكذا خُيَّلَ للناس أن لهم وجود يوازي وجود كيان كبير داخل المجتمع!
أتمنى من الأخوة الفضلاء أن يصرفوا وقتهم وجهدهم هذا -وبحكم مكانتهم- إلى ما هو أنفع، والذي يتمثل في المطالبة بإعطاء المجتمع الحقيقي دوره في الكتابة في جرائده الوطنية. وإذا كان هؤلاء المشايخ الفضلاء الذين نعرفهم محبين لوطنهم ولولاة أمورهم ولهم مكانة طيبة في المجتمع وعند ولاة الأمر، وفي نفس الوقت يقولون:"إن هؤلاء الليبراليين يكتبون في صحفنا المحلية ما يناقض الثوابت وأصول الدين أو يقولونه في نواديهم".
أليس الأولى -يا مشايخي الكرام- بدل أن نشارك في صراع الأقلية الضئيلة ونضخمهم، أن يُمنع هؤلاء الأقلية من الكتابة في صحف السعودية بلاد الحرمين، وأن يُبذل الجهد عند ولي الأمر لبيان حقيقة هؤلاء وخطرهم بالدلائل والبراهين والوثائق، فإن الله ينزع بالسلطان مالا ينزع بالقرآن.
وإن اعتبر أن هذا ديكتاتورية ومصادرة لحرية الرأي، فلماذا لا تعلن انتخابات حرة ونزيه يُختار بموجبها رؤساء التحرير وكتاب المقالات؟ أليس هذا من العدل، بل ومما يتماشى مع لعبة الليبرالية؟
القضية أبسط مما يتصور البعض إذا أريد حلاً حقيقياً يحل ذلك الصراع المفتعل، والذي -والله- سيؤدي لهزيمة الوطن، والتشكيك في كل شيء إذا تُرك هؤلاء يعبثون بأفكار الناس وفي صحفنا المحلية.
فأمريكا وهي أمريكا - بلد الحرية وقبلة الليبرالية- حاربت كل أستاذٍ وكاتب وفنان ومطرب يحمل توجهاتٍ شيوعية، وأقامت محاكمات لهؤلاء، وفصل الكثير منهم، في مرحلة شهيرة في التاريخ الأمريكي تسمى (المكارثية) نسبة لجوزيف مكارثي، الذي قاد حملة ثقافية عارمة ضد الخطر الثقافي الشيوعي وقد وقفت معه وأيدته -خاصة في البداية- أغلبية الشعب الأمريكي، وذلك لأن الخطر الشيوعي الثقافي أصبح واقعاً، ثم إن مكارثي نفسه اعتمد في حربه للشيوعية على فلسفة تتلخص في: (أن الشيوعية دين يريد القضاء على دين المسيحية) .
وعلى أثر ذلك، قام وزير الخارجية الأمريكي (جيمس بيرنز) بفصل مائة شخص في وزارته، مع أنهم لم يكونوا من الشيوعيين جميعاً، بل كان أكثرهم ينتمون إلى اليسارية أو الليبرالية.
وقامت كذلك الحكومة الأمريكية على منع دخول كتب أكثر من أربعمائة كاتب وصحافي وأستاذ جامعي أوروبي. إلى غير ذلك من الأحداث المشهورة.
فإذا كان هذا يحدث في أمريكا -وهي بلد الليبرالية- في المكارثية القديمة، ويحصل الآن فيها في عصر (المكارثية الجديدة) أليس من باب أولى أن تُمنع الأقلية من العبث بفكر المجتمع؟ أليس من باب الأمانة أن يوقف هذا الهجوم الصارخ على كل مبادئ وثوابت وقيم المجتمع ومقدراته وقدراته؟
ومن أعجب الأمور -أيضاً- التي أراها؛ أن المثقفين والنخب الاجتماعية في أكثر البلدان مع اختلافهم الكبير وتباينهم الشاسع يتحدون معاً متناسين تلك الخلافات حينما يحدق أو تنزل بأمتهم أو بلدهم أي نازلة.
ولا يشك عاقل أن ما حل ببلدنا المبارك -حفظه الله من شر كل عابث- يُعد نازلة خطيرة، تداعت لها المُحدقات داخلياً وخارجياً.
وكان المنتظر من النخب الثقافية أن تتولى دورها في توحيد الصف والكلمة. لكن الذي حصل في الواقع أن بعضاً من المثقفين في بلدي شرعت تفريقاً في الكلمة والصف، مستغلة مفهوم (الوطنية) كتكفيرٍ جديد يقابل تكفير الإرهابيين التكفيريين، فصار بعض أبناء الوطن يكفرون وطنياً من يخالفهم في مفاهيمهم الليبرالية أو العلمانية. وأصبحت ساحة المعارك هي إما الجرائد المُحتكرة وإما عالم الإنترنت.