ومما يحزنني أن أصبحت عورات المجتمع الصغيرة ا أو الكبيرة تُنشر في الآفاق الخارجية، ويفرح ويتندر بها أعداء البلد من الخارج، وإذا أحالوا في مصادرهم أحالوا إلى جرائد وطنية مُدعين لأنفسهم الموضوعية!
وأنا والله أسأل: إلى متى ستستمر هذه المذبحة الثقافية؟ ولحساب من تهدر الطاقات؟ وتهاجم الجهات الحكومية ذات الصبغة الدينية؟ وتزعزع مكانة المرأة السعودية؟ ويشكك في الثوابت، ويُتعدى على النصوص الشرعية من قبل من لا يمتلك الأهلية لذلك؟
لم نعد نحتاج إلى دليل لنثبت وجود هجوم خارجي غير مسبوق على بلادنا ، المملكة العربية السعودية ، وعلى رموزها وقياداتها من أعلى الهرم وإلى آخره في: افتتاحيات الصحف والمجلات ، الأخبار والتحليلات ، المقابلات المكتوبة والمشاهدة ، التصريحات، تسريب معلومات مغرضة من هنا وهناك!
ومع ذلك كان الداخل معزولاً بشكل كامل عما يجري في الخارج بل وكأنه امتداد لهذه الحملة الشرسة.. أمر مثير للدهشة!
وهؤلاء الليبرالية لا يُقدرون ما يمر به الوطن من مخاطر، بل قد يستغلون نقاط ضعفه لجره لمزيد من الضعف، وعلموا أو لم يعلموا أن ذلك يحقق مصالح أعداء الوطن.
وأنا هنا احذر كل مثقف غيور على وطنه، أن المسألة أخطر مما يتصور البعض، فهذا المفكر الغربي ( أرنولد هوتنغر) يقول موضحًا استراتيجية الغرب الخطيرة:
يقول: (نحن نتمسك دائما بسياسة"فرق تسد"وأن ُتصنع الدواعي والأسباب التي تدفع بهؤلاء إلى التحارب والتقاتل، بينما ننشغل نحن بتنسيق مصالحنا وسياساتنا، وسيكون بمقدورنا دوماً أن نبعث بقوات دولية لتلك المناطق بدعوى حفظ السلام والاستقرار ، ثم نبقيها هناك إلى أبد الأبدين) !!
وقد يتصور البعض أن مشكلة الغرب مع بعض المتطرفين والإرهابيين، وكنا نتمنى ذلك، لكنه مشكلته ليست مع هؤلاء، بل مع الإسلام ككل، فمهما حاول الإصلاحي أو الليبرالي أن يُظهر الإسلام بصورة متوافقة مع الغرب فلن ينال رضا الغرب، لأن مشكلة الغرب -كما يقولون هم وليس أنا- هي في الأساس مع الإسلام نفسه!
يقول ( صاموئيل هنتنغتون ) الخبير في وزارة الخارجية الأمريكية:
(إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست الإسلاميين المتطرفين، وإنما الإسلام ككل، فالإسلام بكل طوائفه وفي مختلف دوله عبارة عن حضارة كاملة تشتمل الدين والدنيا ، وكل مظاهر الحياة اليومية، ولذا قلتُ إن الإسلام ونظام الدول الغربية لن يلتقيا ، إن المسلمين يعلنون في وجه كل غربي إن دينهم هو الأحسن وأن عاداتهم وتقاليدهم هي الأفضل، كلهم يقول ذلك المتطرف والمعتدل) .
أما عن المراهقين الليبراليين فهم لا يفهمون هذا ولن يفهموه أبداً، لأن قضيتهم ليست قضية مبدأ، أو وطن، أو فلسفة مثالية، بل القضية كلها ( شهوة) وإلا فلماذا نسلك اليوم في صراعنا ما سلكته قبلنا المجتمعات العربية والتي لم تقدم لها العلمانية أو الليبرالية شيئاً يذكر، سوى الفقر والديكتاتورية والانحلال الأخلاقي. وهذا غير مستغرب، لأن الليبرالية العربية صورة من صور الهزيمة النفسية!
يقول الدكتور (زكي نجيب) وهو أحد ضحايا الهزيمة النفسية: (لقد لبثت أعواما لا أرى للحياة إلا صورة واحدة، وهي صورة الحياة كما يحياها أبناء أوروبا وأمريكا، هكذا كان الرأي عندي حتى أواسط الستينات ولقد بلغت فيه حد التطرف الذي لم يعرف لنفسه حيطه أو حذرا، وكان الأمر يبدو أمام ذهني وكأنه من البديهيات التي لا حاجة بها إلى مزيد بحث أو تأمل) .
ويقول المفكر المصري النصراني العلماني (رفيق حبيب) معلقاً على هؤلاء الضحايا:
(الانبهار بالغرب أدى إلى هزيمة عقل الأمة ومن العقول المهزومة ظهر فريق يحاول أن يتحد مع المنتصر ويتبنى حضارة الغرب، ولكن لدى وكلاء الغرب كانت الصدمة سببا في الالتحاق بالغرب ونقل قيمه وأفكاره ونموذج حياته وكانت الدعوة للحرية الغربية تجد طريقها لدى النخبة المثقفة) .
أخوتي المشايخ الفضلاء، نحن نعلم علماً يقينياً أن الدخول مع هؤلاء الأقلية في صراع، يظلم الأكثرية الساحقة، ويُظهر وكأن المجتمع في صراع متوازنٍ.
إن هؤلاء الأقلية المراهقة لا تعي مصلحتها ومن باب أولى لا تعي مصالح الوطن، ومن الأولى أن تُمنع كما يمنع الصائل، فإن لم يكن ذلك كذلك، فلا أقل من أن يفتح الباب حراً للجميع، حتى يظهر للجميع من سيختاره المجتمع.
الأمر الآخر، أننا إذا أصررنا على الدخول مع هؤلاء في حوار، وتركنا الخيار الأمثل، فليكن الحوار مع عقلائهم وكبارئهم، ولنترك صغارهم. الأمر الثاني: أن الحوار يحتاج إلى علمية بحثية متخصصة، كما يحتاج إلى صراحة ووضوح وشجاعة، ويجب أن لا ننجر إلى تفريعاتهم التاريخية أو الجغرافية أو اللسانية، وليركز على القضية الأساس فقط، ولتكن هي المحور.
فلا يعقل أن يقال عن الليبراليين السعوديين -إن وجدوا أصلاً-:"هم جواسيس للسفارات الأجنبية. ثم في نفس الوقت يقال: لا نشك في وطنيتهم". أو يقال:"هم ينقضون أصول الإسلام وثوابته"ثم يقال عنهم"هم أخوتنا ويصلون معنا".. هل يُعقل مثل ذلك الارتباك والتشوش!