أ. سمير مرقص**
يمكن القول بأن هذه الرؤية تتأسس على أن هناك صراعا تاريخيا بين عالم الغرب وعالم الإسلام، الضارب بجذوره إلى أكثر من ألف سنة، بحسب فريد هاليداي، بدءًا من فتح أسبانيا في القرن السابع مرورًا بالحروب الصليبية (والمعروفة بالفرنجة) ثم النزاعات العثمانية الأوربية والصراعات العرقية في عالم ما بعد الحرب الباردة في القارة الأوربية. ويضاف إلى ما سبق -بحسب إدوارد سعيد- أن"مصطلح"الإسلام"يبدو كأنما يدل على شأن واحد بسيط، ولكنه في الحقيقة وهم في بعضه أو تعميم أيديولوجي في بعضه، وهو تحديد بسيط جدا للإسلام في بعضه الآخر وذلك كما هو مستخدم اليوم في الغرب". ويضيف عبارة مهمة منصفة أنه"لا تقوم أي مقابلة مباشرة على أي درجة من الأهمية الحقة بين الإسلام بسكانه وحدوده الشاسعة وبالعشرات من مجتمعاته ودوله وتواريخه وجغرافيته وثقافاته".
ويعد هذا التحديد المنهجي الذي يطرحه إدوارد سعيد هو جوهر النظرة الاستشراقية التي ربما تخفت لفترات زمنية ولكنها بالقطع تستدعي في لحظات التوسع الغربي الاقتصادي في الجوهر، أو بحسب أنور عبد الملك في حديث وجهه إلى المستشرقين قائلا:"... إن بداية استشراقكم تزامنت مع بداية فتوحاتكم". وتقوم الفكرة الاستشراقية (السياسة) أو المناطقية بالتعبير الحديث A r ea Studies على قاعدتين هما:
أ)"التباين المطلق"بين الشرق والغرب.
ب)"السجالية التاريخية"بين الشرق والغرب.
* فبالنسبة للقاعدة الأولى نجدها تنطلق من مقولة كبلنج الشاعر"الغرب غرب والشرق شرق ولن يتقابلا أبدا". فدعاة الفكر الغربي يقدمونه باعتباره موحدًا وله خصوصية ثابتة منذ البدء، حيث ضمنت احتمال التقدم وهو احتمال غائب عن الشعوب الأخرى فلا مستقبل لهذه الشعوب إلا إذا تخلوا بالجملة عن هويتهم وخضعوا لتغريب شامل، كما يدعي هؤلاء أيضا أن تفوق الغرب قد تواجد ضمنيا منذ الأصل؛ وهو ما يضفي طابعا عنصريا على هذا الفكر.
* أما بالنسبة للقاعدة الثانية"السجالية التاريخية"، فإنه في إطار تكريس الإطار المعرفي لعلاقة الغرب بالشرق أعطى الغرب لنفسه الحق أن يكون باحثا، والشرق هو موضوع هذا البحث. وتتحول نتائج هذا البحث لتكون سجالا بينهما، والسجال هنا -بحسب عزيز- العظمة،"ليس خطابا حول النواقص، بل هو خطاب جوهري يواجه عدمه؛ أي نواقصه المطلقة...".
إن هاتين القاعدتين تصبان في اتجاه التقسيم الكوني والتمييز البشري مثلما أوضحهما أبلغ التوضيح برنارد لويس: ثقافات في صراع Cultu r es In Conflicts؛ وبالإضافة إلى هذه الدراسة دراسة هنتينجتون الشهيرة صدام الحضارات حيث التأسيس لفكرة الغرب والآخرين The West And The r est.
لقد كانت مهمة هنتينجتون ومعه مدرسة كاملة من النخبة الأمريكية هي التأكيد على مضمون المدرسة الاستشراقية القديمة بخطاب ومفردات تتناسب والمصالح الغربية الحالية خاصة الأمريكية بعد الحرب الباردة، والتي نجد تعبيرًا لها في المرجع المهم الذي صدر عن مركز دراسات المناطق بهارفارد والذي صدر عام 2000: أمور ثقافية Cultu r es Matte r s؛ حيث العوامل الثقافية وحدها دون غيرها هي المسئولة عن تشكيل التنمية الاقتصادية والسياسية، والتأكيد على ثنائية"نحن"و"هم"، بل وإحالة أسباب تخلف الشرق إلى العوامل الجغرافية والمناخية أي استعارة المفاهيم القديمة وإعادة توظيفها مجددا. والكتاب من تحرير لورانس هاريسون وصاموئيل هنتينجتون. وعليه لا نجد فرقا كبيرا بين ما كان يطرح في القديم وما يطرح الآن في إطار هذه الرؤية.
ونجد هذا الخطاب جليا في وثيقة الستين التي دعت إلى الحرب العادلة عقب 11 سبتمبر؛ حيث ضمت اليمين السياسي واليمين الديني في آن واحد، كذلك مضمون الخطاب السياسي الأمريكي الذي أعلن بكل وضوح على لسان رئيسه في الاجتماع المشترك لمجلس الكونجرس"أنها حرب حضارات".