فهرس الكتاب

الصفحة 25830 من 27364

كمال السعيد حبيب

يمثل القرن الجديد قرناً فاصلاً في التاريخ الإنساني، وفي التاريخ العربي والإسلامي خاصة، فهو أشبه بمذراة كبيرة هائلة قلبت الأمور رأساً على عقب، وأثارت زوابع وعواصف وضباباً محيراً، وكيف يكون هذا القرن فاصلاً، والعالم العربي والإسلامي يواجه وحده دون بقية حضارات العالم وأممه هجمة لا ترحم هي في الحقيقة التي لا مراء فيها هجمة صليبية عاتية وعنيفة يوجهها ما يمكن أن نصنفهم بأعلى طبقات الأصوليين الإنجيليين (الصليبيون الجدد المتحالفون مع اليهود) الأمريكيين والبريطانيين؛ متسلحين بقوة عسكرية وتقدم تقني لا مثيل له في التاريخ.

في الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، والتي قادتها بشكل أساسي الكنيسة الكاثوليكية فيما عُرف باسم «حملات الاسترداد» ، والمقصود بها استرداد العالم العربي والإسلامي إلى حظيرة الصليبية، هذه الحملات استمرت مئتي عام كاملة في موجات لم تهمد أو تهدأ إلا على يد صمود إسلامي، عبّرت عنه الأمة بكامل قوتها وطاقتها شعوباً وقادة.

وبالمناسبة فهذه الحملات الصليبية كانت موضع دراسة وافرة من قِبَل اليهود لمعرفة الأسباب التي أدت إلى إخفاقها رغم نجاحها في بعض الأحيان في إقامة مواطئ أقدام لها على سواحل البحر المتوسط في فلسطين مركز الصراع بين عالمنا العربي والإسلامي منذ الحملات الصليبية. وانتهى اليهود إلى فهم أسباب إخفاق الحملات الصليبية في أن تكوّن وجوداً استعمارياً استيطانياً ثابتاً لا يتزعزع في هذه المنطقة المقدسة، وإبّان الموجات اليهودية الاستعمارية الجديدة للسيطرة على فلسطين كان المشروع الصهيوني يحاول استكمال المشروع الصليبي؛ أي أن التكامل بين المشروع الصليبي القديم والمشروع الصليبي الجديد هو في جوهره تعبير عن موقف الحضارة الغربية في مواجهة الحضارة الإسلامية، فالمشروع الصهيوني هو بالأساس مشروع غربي في مواجهة العالم الإسلامي، يحاول استكمال المشروع الصليبي القديم (1) .

واليوم تأتي الحملة الأمريكية الجديدة على العالم الإسلامي تمثل إعادة التكامل والتلاحم بين المشروع الصليبي واليهودي معاً في مواجهة العالم الإسلامي المعاصر (1) ، وهنا نجد المحافظين الجدد المتربعين على سدة الحكم في البيت الأبيض يمارسون الدور القديم نفسه لرجال الكنيسة الكاثوليكية الذين قادوا الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، وروجوا لها ولكن بثياب مدنية؛ أي أن الروح الصليبية القديمة لا تزال في حكام العالم الغربي وإن اختلفت الثياب والبزات والموضات والأشكال، إنها الروح القديمة في ثياب جديدة (2) .

ومع انتهاء الحروب الصليبية على عالمنا العربي والإسلامي بالإخفاق الذريع، وقدرة الأمة المسلمة على أن تستعيد زمام المبادرة، وتصمد للتحدي الصليبي؛ بدأنا نسمع عما يمكن أن نطلق عليه بذور الحرب الجديدة على العالم الإسلامي، هذه البذور هي ما أطلق عليه في الأدبيات الإسلامية «الغزو الفكري» ، و «الغزو الثقافي» ، و «الغزو الحضاري» ، بدأ الغرب يكوّن طبقات جديدة، هذه الطبقات لم تنتجها الكنيسة ولا روح التعصب الديني الغربي في العصور الوسطى، أنتج هذه الطبقات عصر التنوير الأوروبي، وعصر النهضة والتقدم والعقل والإنسانية؛ ذلك لأن مرجعية العقل والتنوير والتحديث والتقدم والتطور وكل ما آثاره الفكر الغربي؛ لم ينفصل عن روح الحضارة الغربية التي ورثتها عن اليونان الوثنية، وعن روما الصليبية، وعن أفكار الفترة الكنيسية نفسها، الروح العنصرية البراجماتية التي تنظر للآخر باعتباره موضوعاً وليس ذاتاً. ومن هنا قادت هذه الأفكار الإنسانية إلى الاستعمار وإلى ابتلاء العالم العربي والإسلامي بل والعالم القديم كله ببلاء الحضارة الغربية (3) ، هذه الطبقة الجديدة المستلهمة للأفكار العلمانية؛ أسست قواعد جديدة لإدارة العالم واستعماره، كان على رأسها «تحقيق ما نريد بوسائل جديدة» ، هذه الوسائل هي فهم خصائص العالم الإسلامي، واختراقه عبر الجواسيس والسفراء والدراويش والدراسات الاستشراقية، ومن هنا كان فهم روح الشرق أداة لاستلابه واستعماره، وسمعنا عن التبشير والاستشراق ثم الاستعمار (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت