اليوم تمثل الحملة الأمريكية البريطانية على العالم الإسلامي «أعلى» مراحل الموجات الاستعمارية ضد أمة من الأمم، وهي «أعلى» موجات المد الغربي في مواجهة العالم الإسلامي، نقول «أعلى» بمعنى أنها تمتلك خبرة الغزو الفكري الحضاري الثقافي والغزو العسكري الاستعماري الاستئصالي معاً؛ أي أن بذور الغزو الفكري المتخلف القديم بلغت ذروتها اليوم، فالمؤسسات التي تدير معركة الأفكار والعقول والثقافة والحضارة اليوم؛ لا تقارن بالأساليب المتخلفة القديمة ذات الطابع الفردي، لكن القضايا هي نفسها، والاستراتيجية هي نفسها، استراتيجية عدم الاقتصار على الغزو العسكري كأداة للتطويع والامتلاك والسيطرة والهيمنة، وإنما يسبق ويرافق الغزو العسكري غزو ثقافي وحضاري وعسكري. بل إن الغزو الحضاري الثقافي هو الأسبق والأهم، وإذا قامت المعارك العسكرية لن تستمر، فإن معركة الأفكار يجب أن لا تهدأ ولا تنام (5) .
السؤال الأساسي في معركة الحضارة الممتدة بيننا وبين الغرب هو: كيف استطاع العالم الإسلامي الصمود في مواجهة الحملات الصليبية القديمة والجديدة دون أن تموت روح المقاومة فيه؟ ما الذي يجعل الناس في هذا العالم وحده يقفون مناوئين للأفكار القديمة التبشيرية الأمريكية؟
إننا بإزاء أمة لا تموت وحضارة كتب لها البقاء، لماذا؟ إن الإسلام هو الدين الحق، وكلمة الله الخاتمة للبشر، ولذا لا بد من الهجمة عليه، وإعادة تعريفه من جديد بحيث يتسق مع النصرانية، وبحيث لا يكون عاملاً مميزاً للأمة الإسلامية في مواجهة الاكتساح الغربي، لا بد من تفكيك عناصر التمسك في العالم الإسلامي وعلى رأسها الإسلام نفسه، بحيث حين يعرّف المسلم نفسه كمسلم لا يجد فرقاً بينه وبين النصراني أو البوذي أو الهندوسي... لم نسمع مثلاً عن حملة صليبية على اليهود لإعادة هندسة أفكارهم وعقائدهم لتتكيف مع الصليبية الجديدة؛ على الرغم من أن الأفكار اليهودية كلها قائمة على أسس أسطورية عنصرية، وهي ضاربة في أطناب التخلف والرجعية والوثنية.
دعك من الحديث المزيف لبوش أو غيره من العصابة التي تحكم البيت الأبيض عن الإسلام واحترامه، وانظر إلى حقيقة ما يحدث على الأرض... إن السياسة العملية هي تعبير كامل عن فكر طبقة الاستراتيجيين الجدد في دوائر البيت الأبيض، مثل «هنتنجتون، فوكوياما، نيكسون، وولفويتز، كارل روف، كوندوليزا.. وغيرهم كثيرون» ، وهذا الفكر في جوهره يقوم على صِدَام ماحق مع الحضارة الإسلامية للإجهاز عليها. والمراقب للعلاقة بين الحضارة الغربية وعالم الإسلام حتى قبل أحداث سبتمبر؛ سوف يلاحظ نمو موجة عدوان وتصعيد على العالم الإسلامي لإخضاعه وتركيعه، وسوف يلاحظ المراقب أيضاً أن الغرب في علاقته بمناطق الدنيا قاطبة يرتب استراتيجية وفق مصالحه ورؤى أهل هذه المناطق؛ فيما عدا عالمنا العربي والإسلامي، حيث يرتب أوراقه من منظور صهيوني صليبي، يأخذ العمق الحضاري في الصراع مع العالم الإسلامي في اعتباره. وفلسطين وكشمير والشيشان والهجرة والأقليات المسلمة والعلاقة بين الجنوب والشمال؛ كلها شاهدة على أنها حرب صليبية حقيقية.
وتمثل المنظومة العقيدية للإسلام موضوعاً للحرب الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، فهي منظومة من وجهة النظر الغربية تولد العداء للآخر غير المسلم خاصة، وهم يقصدون بذلك إلغاء صفة الكافر عن غير المسلم، وهم يقصدون إلغاء كل ما يتصل بمفهوم الولاء الإسلامي الذي يجعل من الأمة بنياناً مرصوصاً، وهم يريدون إلغاء كل ما يتصل بمفهومات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبراءة من الكفر وأهله؛ أي أن مفهوم الكوكبة والعولمة (globalization) هو بالأساس مفهوم ثقافي يريد أن يفرض على العالم المفهوم الديني الغربي الأمريكي فقط. وليس شرطاً أن يفرض عليك مفهومات صليبية كما يفعل المنصرون، وإنما يفكك (Dissolution) ما تتمسك أنت به، وهذه معركته الكبرى وأرض المواجهة الحقيقية والمدافعة بين الحق والباطل. وفي متابعة لعلاقة الدين بالدولة في أمريكا وجدت تعبيراً أعتقد أنه صحيح، وهو ما يسمونه الدين المدني الأمريكي؛ أي أن أمريكا ليس لديها دين حقيقي منزل فيه شرائع ونظم كما هو في الإسلام، وإنما هو إطار تملؤه الأفكار والعادات والتقاليد التي لها طابع مدني ثابت.
ومن ثم فالأفكار الأمريكية عن الإصلاح الديمقراطي، وعن حرية المرأة، وعن تغيير مناهج التعليم، وعن الخطاب الديني الجديد، وعن الحجاب والاختلاط ونظم الأسرة والأحوال الشخصية؛ جميعها ذات طابع مدني تحمل روح الأفكار الأمريكية إلى العالم، أو رسالة أمريكا إلى العالم، وبناءً على ذلك؛ فإن أمريكا تريد تفكيك ما لديك لتتبع أنت ما عندها.
والسؤال هو: وما الذي يفيد أمريكا في أن تبقى المرأة محجبة أو أن تمارس تقدمها وتطورها وهي غير مختلطة بالرجال؟ وما الذي يجعل أمريكا تصر على إعادة بناء قوانين الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي؟ لماذا تتدخل السياسة الأمريكية في العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة لدى المسلمين فقط؟ لماذا تمثل المرأة المسلمة محوراً للاهتمام الأمريكي؟