فهرس الكتاب

الصفحة 25832 من 27364

كل هذه الأسئلة تكشف عن حقيقة يتبناها الفكر الغربي، وهي أنه لكي تغير أمة أو شعباً فإن مفتاح تغييره هو المرأة (1) ، من هنا لاحظنا مؤتمراً عالمياً عن المرأة في المغرب، وقانوناً جديداً للأسرة هناك، وفي مصر مجلس قومي للمرأة، وفي السعودية وهي المنطقة الأساسية الآن، المقصودة بالحملة الغربية على المستوى الفكري والحضاري يراد للمرأة أن تخرج وتختلط وتتبرج كما فعلت في منتدى جدة الاقتصادي الأخير (2) ، ونحن بالطبع لسنا ضد المرأة، فهي أم وأخت وزوجة وبنت، ولكن أن تكون أداة العدو لتحطيم ثوابتنا وهز مجتمعاتنا، وهزيمة قيمنا وثوابتنا؛ فهذا ما نرفضه بقوة. لماذا يفرح الأمريكيون حين تعمل امرأة أفغانية مصففة للشعر، ولماذا يفرحون حين تشارك في فريق كرة القدم؛ هل المرأة العراقية أو الأفغانية تحررت بمجيء الاحتلال الأمريكي لبلادها؟

ولماذا يؤرخ العلمانيون لتحرير المرأة بنزع حجابها في مصر؟ هنا بعد رمزي، فحيث تتخلى المرأة المسلمة عما يربطها بدينها وإسلامها؛ فهذا معناه من المنظور الغربي الدخول إلى عالمي الحداثة والتحديث الغربيين. ألا يمكن للمرأة المسلمة أن تجمع بين الحداثة وبين الإسلام؟ أن تكون مسلمة وقادرة على التعامل مع أدوات العصر وتقنياته؟

لم تعد الحداثة عنواناً لنبذ الدين، وإنما الحداثة في مفهومها التقدمي الغربي هي التي تجمع بين أصول الدين وبين حقائق العصر، ولمن لا يصدق؛ عليه أن يراجع كتاب المفكر الفرنسي الكبير «آلان تورين» (نقد الحداثة) (1) .

إننا في عالمنا العربي والإسلامي نشاهد عن كثب نكسة الغرب وحيرته بسبب فصامه الفكري مع دينه، وهو يريد أن يحقق عندنا هذا الفصام، فليحذر العقلاء وأولو الأمر، خاصة في السعودية، من وسوسة الغرب ونفثه ونفخه الماكر لفرض صيغة حداثية علينا ثبت إخفاقها عنده.

ثم تأتي معركة الحجاب في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وهي معركة تكشف عن البعد الحضاري الصليبي العميق في العلمانية الفرنسية، فالعلمانية وفق التعريف العلمي لها هي فصل السياسة عن الدين بحيث لا يكون للدولة أي دور في الموقف الديني أو العقيدي لأفرادها، فالدولة العلمانية هي دولة محايدة تجاه الدين لا يهمها أن يكون لمواطنيها دين معين، كما لا يهمها أن يكونوا بلا دين أصلاً، كما لا يهمها أن يكونوا متدينين، فحرية العقيدة هي من الحريات المكفولة في كل الدساتير الغربية، وهي مأخوذة من أفكار الحق الطبيعي للبشر وهي أفكار ذات طابع مسيحي، وترفع فرنسا شعار الحرية والإخاء والمساواة، وترى أنها مدينة النور والعقل والحرية، لكن ما الذي حدث لها اليوم حتى تضيق بالنساء المسلمات المحجبات في المدارس والمؤسسات العامة وفي الشوارع؟ ما الذي جعل فرنسا التي اتسعت شوارعها وآفاقها لكل شارد مطرود ومتسكع ومتحرر وملحد وهيبز أن تضيق على الحجاب الإسلامي؟

إن المتابع لخطاب شيراك الذي أعلن فيه تأييده لمشروع القانون الذي يقضي بمنع الحجاب الإسلامي في المدارس والمؤسسات العامة بدعوى حماية العلمانية؛ يكتشف الوجه الاستبدادي للعلمانية، إن العلمانية هي أيديولوجية الدولة القومية التي تعطي الحرية للبروتستانت لكنها لا تمنحها للمسلمين، فالعلمانية هي التي أعطت البروتستانت الحق في التعبير عن عقائدهم في مواجهة الشمولية الكاثوليكية.

والعلمانية هي التي أعطت اليهود الحق في التعبير عن عقائدهم وأفكارهم ووجودهم، لكنها اليوم تنتفض لمنع المسلمين حقهم في إقامة فرائض دينهم؛ ذلك لأن العلمانية تستبطن التقاليد الكاثوليكية في فرض صيغة كلية ذات طابع شمولي على مواطنيها؛ هي أيديولوجية الدولة القومية الفرنسية. لكن هذه الدولة الفرنسية العلمانية ذات طابع كاثوليكي، فهي تحتفل بأعياد الميلاد وتمول المدارس الكنيسية وتدعم الكنيسة وتستخدمها كأداة أيضاً في السياسة الدولية.

إن بعض المحللين الفرنسيين تحدث عن أن العلمانية لم تكن سوى قلب للكاثوليكية لكنها استلهمت روحها، فهي استبدلت الحرية والإخاء والمساواة ب الأب والابن والروح القدس. واستبدلت الطابع الشمولي للكنيسة بالطابع الشمولي للدولة القومية التي يعبر بعضهم عنها بالدولة الإله - ، واستبدلت طابع الإيمان بالله بالإيمان بالعقل والإنسان، وبقيت الروح العنصرية التي ترفض التسامح كامنة في جذورها، لكن التساؤل هو: لماذا ظلت العلمانية عاملاً محايداً حتى إذا بلغ المسلمون في فرنسا ستة ملايين نسمة، فإذا بها تنصب لتفرض عليهم سلوكاً يتنافى مع حريتهم العقيدية؟ العلمانية الفرنسية اليوم هي تقليد لما يطلق عليه العلمانية النضالية Militant secula r ism (2) ، وهي في ذلك مثل العلمانية الكمالية في تركيا وعلمانية بورقيية في تونس؛ أي هي علمانية استبعادية في مواجهة الإسلام، وعلمانية متحررة مع المذاهب الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت