تغيُّر الفتوى المشروع بين سوء الفهم وسوء القصد
( محاولة لتقريب الصورة نحو وعي فقهي )
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والاه.. أما بعد ..
فإنَّ من الموضوعات السهلة الممتنعة أن تجيب على سؤال ظاهره الوجاهة وباطنه قلّة المعرفة.. ومن ذلك أن يسألك مثقّف!
لماذا تختلف فتوى العالم الفلاني في المسألة ذاتها إذا كان اجتهاده لم يتغيّر ؟
فتجيبه: هناك صور كثيرة لهذه المسألة ، تكلّم عنها العلماء في القديم والحديث ، فحدِّد سؤالك ؟
عندئذ يجيبك بطرح أمثلة مُدْرَكَة ؛ وحينها تتنفّس الصَّعداء، لأنَّ المسألة صارت أهون بكثير من أن تشرح له أسس فنَّ الفتوى وأصول الاستدلال، ولا سيما أنّ كثيراً من موضوعات أصول الفقه تستعصي على بعض طلبة العلم ؛ بلْه مدَّعي الثقافة ، ومعظِّمِي الروم ، ممن لا يعرفون مراتب الدِّين ، ولا يحسنون وصف الوضوء لغير المسلمين، ولا يخجلون من خدمة أطروحات العدو المتربِّص ، حتى لكأنَّك أمام مقطع حيّ، لمشهد بعنوان: حشفاً وسوء كيلة رغم أنف الوطنية !
ولأهمية هذا الموضوع، واستشكال بعض العامة له ، وتشويش بعض الكتَّاب به، وغضب بعض الشباب منه، فقد اجتهدت في محاولة كشفه بأسلوب تطبيقي، يوضِّح المراد - بعون الله تعالى - وذلك بياناً لفضل العلم على أهله، وفضل أهله على الأمة ؛ وتوضيحاً لسببٍ من أسباب سوء الفهم لدى بعض الخيِّرين من طلبة العلم ، فضلاً عن غيرهم، وتظهر أهمية ذلك بجلاء ، حين يفرز هذا الاستشكال ، فرقةً بين بقية الأمة، وخلخلة لثقة جيل الشباب بجيل الشيوخ ؛ كما آمل أن يكشف هذا المقال شيئاً من فقد الموضوعية - قصداً أو تغريراً - لدى عدد من الكتاب، ممن جعلوا همهم الأول نقد العلم وأهله . كما اجتهدت في عرض هذا الموضوع وفق النقاط التالية:
1)من الأمور المقرّرة في الشريعة أنَّ الحكم الشرعي ذاته ثابت لا يتغيّر متى اتفقت الصور المسائل واتحد مناطها؛ وإنَّما قد يتغير مناط الحكم تبعاً لتغير الصور أو دخول العوارض المعتبرة في الشرع ، ومن ثمَّ تتغيّر الفتاوى عند تنزيلها على المسائل والوقائع ، تبعاً لذلك . وهذا أمر معقول ، ومعمول به حتى عند أهل القانون- الذين يستشهد به بعض الكتّاب - فتجد القاضي البريطاني مثلا- وهو يعتمد السوابق القضائية وفق المدرسة الأنجلوسكسونية- يحكم في قضية بحكم ، بينما يحكم هو أو قاضٍ آخر في صورة مماثلة بحكم مختلف ، لسبب يرى أهمية مراعاته في الصورة الجديدة عند تطبيق المبدأ القضائي الذي يستند إليه في حكمه! وحينئذ فعدم تغيّر الحكم مع تغير صور المسائل ومناطاتها - عند التأمّل- هو الأمر المُشكِل الذي يحتاج إلى جواب .
2)ولكي تتضح المسألة أكثر، أبيِّنها بالتعريج على شيءٍ مما يضربه بعض الناس- مثلاً- في المجال العام والتنبيه على سببٍ للتفريق بين الفتوى في أمرٍ، وما يظنّ خلافاً لها فيه ، مثل: تعليم المرأة، والموقف من دمج تعليم البنين والبنات إداريا، وفتح بنوك إسلامية ، ومنع أطباق البث الفضائي ، ومنع الاستكتاب في شركة ما ثم إجازته ، ونحو ذلك مما يفتي فيه علماء معروفون بالعلم والفقه واليقظة وحسن الدِّيانة ، مهما اختلف معه غيرهم ممن لا يُعرف بما يعرفون به ..
أ) فتعليم المرأة في المملكة العربية السعودية ،لم يحرمه أحد من العلماء المعتبرين- كما يزعم بعض النَّاس- وغاية ما في الأمر أنَّ الاختلاط- في بعض البلدان- بين الجنسين كان هو السِّمة العامة لتعليم النساء نظاميا في تلك الحقبة التي مُنِع فيها، ولذلك استنكره- حينها- كثير من المواطنين حميَّة وغيرة من غير فتوى ؛ فلمَّا اتفق العلماء والولاة على ضمانات خلو التعليم من مفسدة الاختلاط وتوابعها ، مثل قلة الاحتشام وما يترتب عليه -لم يكتف العلماء بالسماح بتعليم المرأة، بل قادوا هم مؤسستها الحكومية، وأشرف عليها مفتي الديار ورئيس القضاة حينها الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله ، فلمّا رأى النّاس ذلك اطمئنوا إلى التعليم الحكومي وسلامته من الاختلاط وتوابعه ، فألحق كثير منهم بناته بتلك المدارس ، وانتشرت في البلاد حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن ولله الحمد والمنة ؛ فكان المنع في حينه مستنداً إلى سبب وجيه لا يتعلق بالتعليم ذاته، بل إلى آليته، وسلامته من المحظور، وكان الإذن به وتنفيذه مستنداً إلى ضمان خلوه من المحظور؛ فلكلٍ علّته وحكمه؛ ومن يرجع إلى فتاوى الشيخ رحمه الله يجد ذلك واضحا غاية الوضوح، فقد صرح بالعلة - كعادته - تصريحا لا لبس فيه، فتأمّل أخي- المبارك - كيف يحاول بعض المستغربين خطف شرف رفع شأن المرأة في بلادنا، بمثل هذه الأساليب التي يفضحها التاريخ.