فهرس الكتاب

الصفحة 11810 من 27364

بعد هذه المرحلة الصعبة يبدو أن الاتحاد في طور إعادة الانطلاق مجدداً. فتأكيد حضور العاهل المغربي محمد السادس للقمة العربية التي ستنعقد في الجزائر نهاية شهر مارس الجاري، كأول زيارة لملك مغربي إلى هذا البلد المغاربي منذ ثلاثة عقود، تنهض مؤشراً- بحسب الكثير من المراقبين في المنطقة- على قرب انعقاد قمة مغاربية في المرحلة القادمة تطوي ملف الخلاف المغربي ـ الجزائري، وتقود إلى إعادة تحريك قاطرة الاتحاد المعطلة؛ إذ لا شك أن القمة العربية القادمة ستكون مناسبة لعقد لقاء بين زعيمي البلدين وتمهيداً لرفع أجواء الاحتقان؛ فقد انعقدت آخر قمة مغاربية على مستوى زعماء البلدان الخمس في بداية العام 1994.

غير أن الواجب يقتضي القول بأن الاتحاد المغاربي الذي احتفلت به بلدان المنطقة قبل ست عشرة سنة ليس هو الاتحاد المأمول في انبعاثه مستقبلاً، فأسئلة مرحلة النشأة ليست نفس أسئلة وتحديات مرحلة العطب الراهنة. لقد انضافت تحديات جديدة وطرأت تحولات عميقة على مستوى المنطقة والعالم لم يكن ممكناً وضعها في الحسبان قبل عقد ونصف، أهم ما فيها أنها تأتي في مرحلة صار يُطلق عليها مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001، أي مرحلة الانخراط في منظومة إقليمية ودولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة الإرهاب بمفهومه الأمريكي، وتسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى هندسة المنطقة بحسب الأولويات الأمنية، وتريد لبلدان المنطقة أن تنخرط فيها أسوة بما يجري في مختلف بقاع العالم. وتوجد المنطقة في الوقت الراهن أمام حقائق جديدة من شأنها أن تساهم في رسم صورة المستقبل فيها، ربما بشكل لا يكون للمنطقة دخل فيه إذا لم يتم التوصل إلى صيغة حقيقية للاندماج الإقليمي يفوّت بعض المزالق ويرسم الأهداف المشتركة لبلدانها الخمس. فمن جهة هناك محاولات من حلف الناتو للتمدّد والانتشار في المنطقة القريبة من المتوسط، والتي يرى أنها تمثل تهديداً مفترضاً لمصالحه، بحسب التعريف الجديد الذي وضعه الحلف للتهديد الأمني قبل أربع سنوات في قمة هلسنكي، وقد أصبح المغرب حليفاً له من خارج أعضائه في السنة الماضية برغبة أمريكية واضحة، ويجري في الوقت الحالي التباحث مع الجزائر بشأن إيجاد صيغة محدّدة للتعاون الأمني بين الطرفين، وهو ما حدث بالفعل مع موريتانيا، كل ذلك في إطار الحوار الذي يقوده الحلف مع بلدان غرب المتوسط تخوفاً من انبعاث تهديدات أمنية من المنطقة المتوسطية أو من منطقة الساحل والصحراء. وإلى جانب هذا المعطى يوجد أيضاً تحدي الشراكة الأوروبية ـ المغاربية التي انطلقت عام 1995 في مؤتمر برشلونة الأورو ـ متوسطي، والذي سيتم الاحتفال هذا العام بمضي عشر سنوات عليه، وفتح أجندة جديدة له لتتضمن البعد الأمني، وكذا تحدي الشراكة الأمريكية ـ المغاربية التي بدأت عام 1998 بالمشروع الذي أُطلق عليه اسم"مشروع إيزنستات"، نسبة إلى نائب كاتب الدولة الأمريكي في التجارة آنذاك. أما المستوى الثالث من التحديات فهو يهم الموقف من التطبيع مع إسرائيل، فبلدان المغرب العربي يبدو أنها أصبحت في الآونة الأخيرة ضمن دائرة الاستدراج نحو التطبيع بتوصيات أمريكية، بغية فتح الطريق نحو أفريقيا التي لا يخفى أنّ لإسرائيل مصالح متعددة فيها، سياسياً واقتصادياً وثقافياً؛ إذ إن بلدان المنطقة المغاربية الخمس جميعها دخلت بشكل أو بآخر في نسج علاقات مع الدولة العبرية، وإذا كانت المغرب وتونس وموريتانيا قد وصلت إلى حد فتح مكاتب لها في تل أبيب إبان التسعينيات من القرن الماضي، وفي طريقها اليوم إلى استئناف هذه العلاقات بعد انقطاعها بسبب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في عام 2000، فإن الجزائر وليبيا هما الأخريان قد بدأتا في رفع أي تحفظات بشأن هذا الموضوع. وهذه التحديات كلها علاوة على التحديات الأصلية التي كانت في صلب إنشاء الاتحاد قبل عقد ونصف، وتخص النهوض بأوضاع المنطقة اقتصادياً وصناعياً وإيجاد قنوات لتبادل المنافع وفتح الحدود، هي التحديات المطروحة اليوم في أجندة الاتحاد.

الاتحاد المغاربي اليوم يوجد أمام اختبار حقيقي سوف يحدّد إلى درجة كبيرة صورة المستقبل الذي تريده بلدان المنطقة لشعوبها ولنفسها أيضاً أمام العالم، فقد مضت فترة طويلة وضع فيه الاتحاد داخل الثلاجة، وتمّ التعرّف اليوم على ما حصل بفعل جموده، وحان الوقت للتفكير في تفعيل مؤسساته لمعرفة ماذا كان ينبغي أن يحصل، وماذا يجب أن يحصل من اليوم؛ إذ من المؤكد أن حصيلة الفشل تكون عوناً في الغالب على التطلّع إلى النجاح.* كاتب وصحافي مغربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت