محمد صلاح الدين 2/7/1425
إنّ النقد كمفهوم معاصر، هو في مصطلحنا الإسلاميّ وثقافتنا الشّرعيّة، جزء من مفهوم أكبر وأشمل وأكرم هو الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي جعله الله عزّ وجل رسالة الأمة، ومناط فلاحها وذلك في قوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران:104] .
لكم مشكلة هذه المفاهيم العصريّة، التي جلبتها إلى مجتمعاتنا الإسلاميّة موجات الاستغراب والتغريب، وأفسحت لها في ثقافتنا ظروف الهزيمة والانحطاط، إنّها تظلّ (مهما طال أمد مكوثها في مجتمعاتنا) مبتوتة الصّلة بمرجعيّة الوحي والنّبوة، شديدة الانفصام عن منهج الشّرع ومقاصده وآدابه، وهي بكل ذلك محرومة من عمق الامتثال لأمر الله عزّ وجل في ضمير المرء المسلم.
لا جرم إذن أنْ تشيع لهذه المفاهيم صور نمطيّة مشوّهة تجعلها أقرب إلى السلب منها إلى الإيجاب، وتقدّمها على أنّها وسيلة للهدم وليس للبناء، بل وأنْ تُستخدم بهذا المعنى السلبيّ في كثير من الأحيان.
كيف يمكن تغيير هذه الصورة النمطية؟! لا بدّ من الاتفاق أولاً على أنّ استيراد المفاهيم والمصطلحات من ثقافات أجنبيّة، واقتباس القيم من مجتمعات وموروثات غربيّة، عمليّة فاشلة في أيّ مجتمع عربيّ مسلم؛ لأنّ هذه المفاهيم والقيم المستوردة، ستظلّ نوعًا من الترف والثقافة النخبويّة، المحصورة في الفئة، ومن ثم فهي تبقى مبتوتة الصّلة بسواد الناس، وتظلّ عرضة للتشويه والصور النمطيّة والممارسات السّلبيّة.
إنّ القيم الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة هي تعبير عن هُوِيّة المجتمع وذاتيّته، لا يمكن أنْ تنبع من جوهر معتقداته الدينيّة وعمق موروثة الثقافيّ، كما لا يمكن أنْ تصبح جزءًا من فكره وسلوكه إلا من خلال ممارسته العمليّة، وإلا فستظلّ طافية على السطح دون جذور عميقة، معرّضة دومًا للتشويه والعبث والاقتلاع.
لا سبيل إذن لتغيير الصور النمطية السّلبيّة للنقد والمساءلة في مجتمعاتنا المسلمة، وترشيد ممارسته وتعميق مفاهيمه، إلا بالعودة الصادقة لمصطلحاتنا الإسلاميّة ومفاهيمنا القرآنيّة والالتزام بأمر الله إلى كل أجيال المؤمنين إلى يوم الدّين (...وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران: من الآية79]
ليس من شك أنّ الخوف من النقد إنّما هو نتاج عوامل ذاتيّة داخل الفرد نفسه؛ فالإنسان بطبعه يرتاح للثناء والإطراء وينفر من النّقد وتعداد العيوب والأخطاء، كما أنّ كراهية النّقد والنّفور من أهله هو نتاج البيئة المحيطة بالأفراد، وأنّ العاملين يتكاملان في زرع هذا الخوف من ممارسة النقد في قلوب الناس ويحولان دون تقبله.
ومن هنا اتّجهت نصوص الكتاب والسّنة الشّريفة، وفروض الدين إلى توطئة أكتف الناس مجتمعًا وأفرادًا للجهر بالحقّ وتقبل تكاليف، وجَعَلَ الإسلامُ الأمرَ بالمعروف والنّهي عن المنكر، أي النقد المرتبط بمرجعيّة الوحي والنّبوة الملتزم بمقاصد الشريعة ومنهجها وآدابها المنطلق من خلوص النيّة وابتغاء وجه الله والدار الآخرة، مهمّة الأمة وواجب كل مسلم ومسلمة.
ومن هنا أقسم المولى عز وجل بالنفس اللوّامة، تكريمًا للنفس الناقدة التي تزن أعمالها وتعترف بتقصيرها وأخطائها وتقيم على الدوام وتقوم سلوكها.
ولقد عاب الله على بني إسرائيل اختفاء التناهي عن المنكر بينهم، ولعنهم سبحانه ذلك في قول الحق عز وجل: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 78و 79] .
كما ندّد المولى عز وجل بخلوّ مجتمعات سابقة من إنكار الفساد وجعل ذلك سببًا لهلاكهم في قوله سبحانه (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) [هود:116]
وليس من شك أنّ البيئة المحيطة بالمرء هي العامل الأكثر تأثيرًا في صياغة نفسيته وتشكيل مواقفه، وذلك أرجع القرآن الكريم سجود ملكة بلقيس للشمس من دون الله رجاحة عقلها واكتمال رأيها إلى البيئة التي نشأت فيها، وذلك في قوله عز وجل: (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ) [النمل:43] .