فهرس الكتاب

الصفحة 2265 من 27364

إنّ أبرز ما تعتزّ به الديمقراطيّات المعاصرة، أنّها تؤسّس ما يسمّى"بالمجتمع المفتوح"، أي المجتمع الشديد الشّفافية الذي يقوم على الحِوار، وتتوفر فيه للناس جميعًا حرّية النّقد والمساءلة، وليس ينكر عاقل منصف أنّ القرآن الكريم قد أقام في مجتمع النّبوة الأول، أكرم مثال عرفه العالم للمجتمع المفتوح، وأنبل تطبيق شهدته الإنسانيّة لحقّ المساءلة والنّقد وأرشد ممارسة لحرّية الرّأي.

وأكتفي في هذا المقام بنماذج ثلاثة من الكتاب العزيز.

أوّلها- من سورة النساء حيث أقدم أحد الأنصار وهو عبد الله بن الأبيرق على سرقة درع لأحد المهاجرين، ثم تحايل لإلصاق التّهمة بيهوديّ، واستعان ببني قومه الذين ذهبوا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه مؤكّدين أنّ الرّجل من صالح المؤمنين، وأنّهم يبرّئونه من السّرقة، وقد تقبّل المصطفى صلوات الله وسلامه عليه شهادتهم وأدان اليهوديّ بالسرقة.

وتنزل الوحي ببراءة اليهوديّ، وعتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتنديد بما فعله السارق وقومه من ادّعاء بالباطل، واتّهام لليهود بغير الحقّ، والدّفاع عن السارق، وهو الخوّان الأثيم.

الأنموذج الثاني- من سورة الأنفال، لمّا تقبّل المصطفى صلوات الله وسلامه عليه رأي القائلين بقبول الفداء من أسرى بدر، فتنزّل العتاب الربانيّ الشديد للجميع (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [لأنفال:67و68]

الأنموذج الثالث- من سورة النور عن قصة الإفك الذي تناول أم المؤمنين عائشة ومس بيت النّبوة فتنزّل الوحي الإلهيّ بالتّقريع لأصحاب الإفك، والعتاب الشديد لجماعة المؤمنين، وتلقينهم ما يجب أنْ يكونوا عليه من حُسن الظنّ وأدب التثبّت قبل أنْ يُطلقوا ألسنتهم بما لا يعلمون.

لقد أرادت آيات الوحي الإلهيّ تأكيد شفافيّة المجتمع النبويّ، وتعليم الأمّة أنّه لا يوجد أحد هو فوق المساءلة أو أكبر من النقد، وأنّ هذه الوقائع المؤسفة ستكون خبرًا لهم إذا تعلّموا دروسها واستوعبوا العِبرة منها.

واجب المؤسّسات الدينيّة والتربويّة والإعلاميّة والرسميّة أنْ تقدّم للناس الصورة المُثلى للنّقد المنطلق من خلوص النيّة الملتزم بأدب الخِطاب المبتغي وجه الله والدّار الآخرة، وأنْ تكون هي خير قدوة في الشّفافية وممارسة النّقد الذاتيّ وتقبّله، وتعميق كّل ما أوضحه الشّرع من آدابه ومقاصده، والله وليّ التّوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت