همام عبد الملك الشامي
لقد كانت الأوقاف الإسلامية ومازالت دليلاً على حيوية الإسلام واستعصائه على التغييب والاندثار، فأموال الوقف هي التي تحافظ على استمرار الإسلام: رابطاً ومثَقِّفاً، ودافعاً، ومحرضاً على النهوض والتخلص من أسباب الجهل والضعف والركود.
إن المحن والبلايا والتحديات التي واجهها الإسلام كافية لتحييد - إن لم نقل استئصال - أشد المبادىء مراساً، وأعصاها على المقاومة. وقد كانت الأوقاف هي التي تغذي المؤسسات الإسلامية والمعاهد والمدارس التي تسهر على نشر المعرفة الإسلامية، كل ذلك في ظل الظروف الصعبة؛ من ظلم الحكام، وتسلط المستعمرين، وتواكل وتقاعس الجماهير، وضعف إحساسها بالمسؤولية.
وقد ظلت الأوقاف الإسلامية مستقلة عن تدخل الحكام، تدار من قبل هيئات أهلية، أو من علماء وأوصياء، عليهم رقابة أهلية، ويخضعون لنظام الحسبة الشرعية. ومع ما كان يكتنف هذا النظام من عيوب، بسبب الطمع البشري المفهوم؛ إلا إنه كان له الفضل في الإنفاق على العلماء ومدارسهم، إلى أن اعتراه الهرم بكثرة العيوب الطارئة، فلم يشعر المسلمون إلا والقوى الاستعمارية قد طوقتهم، وبدأت تقتطع من بلادهم ما تعيده إلى سيطرة الصليبية أو القومية المعادية للإسلام. ثم غزتهم في عقر دارهم، وفرضت عليهم ما لا يريدون، وبدأت بتجريدهم من عناصر القوة والحيوية.
وقد آذنت سلطة العلماء بالتراجع السريع حين بدأ سلاطين آل عثمان المتأخرون ما سمي بحركة إصلاح الدولة و"تحديثها"، فوضعوا حداً لسلطة المشيخة الإسلامية، وازداد هذا التراجع الذي أصبح مقنناً منذ عصر التنظيمات في عهد عبد المجيد ومن بعده.
على أن الحاكم الذي كان له أبعد الآثار في الحد من سلطة العلماء وهيبتهم في أي مجتمع مسلم في العصر الحديث هو محمد علي حاكم مصر. وتكمن أهمية محمد علي في هذا المجال في أن كل من جاؤوا بعده كانوا عيالاً على الطرق التي اتبعها، وكان قدوتهم الذي ساروا على أثره. صحيح أن محمد علي كان أمياً، ولكنه كان يتمتع بذكاء فطري ويعرف ما يريد، وقد حدد وجهته تحديداً حاسماً، واستعان على تحقيق غاياته في الحكم والتسلط بقناصل الدول الأوروبية يستخدمهم لأغراضه القريبة، ويستخدمونه لأغراضهم البعيدة.
وتمثلت طريقة محمد علي بمصادرة أموال الأوقاف جميعها، وتملكها من قبله وقبل أولاده وأحفاده، ومعاقبة من يعترض على أساليبه الخبيثة من العلماء بالقتل أو بالسجن والتشريد، كما فعل مع كثير ممن عضده منهم وناصره ضد المماليك، حيث قلب لهم ظهر المجن، وتركهم إما طعمة للتحسر والندم؛ وإما أفراداً مجردين من كل قوة وتأثير، ينتظرون ما يجود به عليهم من فتات لا يكاد يقوم بالأوَد. ونستطيع أن نقول: إن محمد علي هو أنجح من نفذ سياسة"تجفيف المنابع"التي يكثر الحديث عنها في هذه الأيام.
يقول الشيخ محمد عبده واصفاً ما فعله محمد علي في هذا المجال:"... نعم، أخذ ما كان للمساجد من الرزق، وأبدلها بشيء من النقد يسمى"فائض رزنامة"لا يساوي جزءاً من الألف من إيرادها، وأخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي له اليوم لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنة، وقرر له بدل ذلك ما يساوي نحو أربعة آلاف جنيه في السنة. وقصارى أمره في الدين أنه كان يستميل بعض العلماء بالخلع أو إجلاسهم على الموائد، لينفي من يريد منهم إذا اقتضت الحال ذلك. وأفاضل العلماء كانوا عليه في سخط ماتوا عليه." [آثار محمد علي في مصر/مجلة المنار: المجلد 5/ج 5/ص 175] .
وقد سار على هذه السنة في العلماء أولاده وأحفاده حكام مصر من بعده دون شذوذ. وعمل هذا العهد الطويل (1905-1952) الذي امتد قريباً من قرن ونصف على صناعة أجيال من طراز معين من العلماء، يمكن أن نصفه بأنه يعتمد اعتماداً كلياً في عيشه على ما تنفحه به هذه الدولة ذات الحكم العسكري المتغوِّل، وينفذ ما تريده الدولة باستكانة وخضوع غريب عن سلوك العلماء العاملين في التاريخ الإسلامي [1] . ولذلك حينما قام جمال عبد الناصر وجماعته بانقلابهم على الحكم الملكي، وغيروا في مصر ما غيروا؛ ساروا على سنة محمد علي في العلماء والمؤسسات الإسلامية، وتلقت هذه المؤسسات وهؤلاء العلماء ما جادت به ماكينة عبد الناصر الإعلامية بالإذعان - إن لم نقل بالقبول - ولم يشذ عن هذا الإذعان إلا القليل النادر الذي لا يكاد يحس به.
يتكرر هذا المثال في كل بلد مسلم تقريباً: في الشام، والعراق، والمغرب العربي، على اختلاف في الأساليب لا يؤثر في النتيجة، وهي العمل على تجريد العلماء من الهيبة والقوة، وليس جعلهم طبقة فاقدة التأثير فقط؛ بل ومنبوذة.