فهرس الكتاب

الصفحة 5023 من 27364

يجب أن لا نفصل بين دور هؤلاء الحكام تجاه العلماء؛ وبين الظرف الذي وجدوا فيه، فقد ينزلق كثير من الدارسين إلى جدل عقيم وهو: هل كان هؤلاء الحكام المبدوؤون بسيء الذكر: محمد علي، من الحنكة والدهاء وخبث الطوية بالقدر الذي يجعلهم ينجحون في مسعاهم هذا في ضرب دور العلماء في المجتمعات الإسلامية، وفي الإجماع الذي لا يشذ عنه أحد؟ وهل كانت ظروف العلماء من السوء بالقدر الذي يستدعي هذا الإجماع من هؤلاء الحكام الساعين إلى إصلاح وتحديث مجتمعاتهم على تحجيم دورهم؟ أم أن هؤلاء الحكام كانوا مجرد خدم وعملاء ومنفذين لرغبات القوى الاستعمارية؟ وهنا يكثر الكلام في تعداد مزايا هذا الحاكم أو ذاك، وفي إخلاصه وتحرقه على السير برعاياه نحو النهوض، وذلك للرد على من يأتي بالأدلة على عمالة هؤلاء الحكام وخدمتهم للأجانب، فتضيع المسألة الجوهرية التي انطلق منها الجدل، ونتيه في بُنَيَّاتِ الطرق يميناً ويساراً. هذه هي أجواء الجدل الدائر بين فئتين تؤلفان المجتمعات الإسلامية:

فئة تدعو لتحديث المجتمع، واللحاق بالأمم القوية، والخروج من حالة الضعف والفوضى التي تعيشها هذه المجتمعات.

وفئة أخرى تدعو إلى الخروج من هذا الواقع، لكن ليس بأي ثمن، ولا بأي وسيلة، بل تطلب التريث والنظر حول مواطىء الأقدام، حتى لا ننتقل من واقع سيء إلى واقع أسوأ - كما هو شأننا اليوم. وفي خضم هذه المعركة نرى من يدافع عن أمثال محمد علي، وكمال أتاتورك، وجمال عبد الناصر، وبو رقيبة بدون تحفظ، ومن يخونهم بدون توقف، وأنهم ما كانوا ليفعلوا ما فعلوا إلا خدمة للأجانب.

ليس من شأني هنا أن أنزلق إلى مسألة التخوين والتوثيق والتزكية المطلقة، أو الإسقاط الكامل من الحساب؛ بل أريد أن أتتبع أسباب ما آل إليه حال العلماء والمشايخ في المجتمع، فالثابت أن محمد علي ومن بعده - بعد أن تمكنوا وهيمنوا - لم يكونوا يقيمون للعلماء أي اعتبار، ولم يتوانوا في العمل على تهميشهم وجعلهم أداة لحكمهم الظالم، وكونهم فعلوا ذلك بمفردهم أو بمساعدة الغرب وقناصله وجواسيسه خارج عن دائرة النقاش والاهتمام الآن. ولماذا فعلوا ذلك، وما نياتهم من ورائه مسألة أخرى أيضاً. كل الذي يعنينا هنا هو أن هذا الوضع المزري الشاذ الذي نرى علماء المسلمين فيه لم يكن ليكون لولا جهود الحكام وخططهم التي لم تهدأ ولا تهدأ في هذا السبيل.

هناك ملحوظة جانبية نرى أن الإشارة إليها مهمة، وهي أن هيمنة أنظمة الحكم على أوقاف المسلمين التي كانت تغذي الجهاز الذي يعمل على استمرارية إحساس المسلمين بالإسلام وإبقائه حياً في نفوس أهله كانت من نصيب الأوقاف التي تخص السواد الأعظم من المسلمين، وهم أهل السنة. أما أوقاف غيرهم في المجتمعات الإسلامية فلم تمس. انظر مثلاً أملاك الكنائس، لا يجرؤ أحد على مجرد الحديث عنها فضلاً عن المساس بها. وأمامنا مثال صارخ وهو لبنان، فقد تحول النصارى فيه - بسبب الدعم الاستعماري الخارجي، وغفلة المسلمين - من طائفة فقيرة كانت تعمل في خدمة إقطاعيي الدروز وأهل السنة، إلى الطائفة الأولى هناك غنى ونفوذاً خلال قرنين أو ثلاثة، حيث أفاق أصحاب هذه الإقطاعات ليروا أن خدمهم الموارنة هؤلاء قد سحبوا البساط من تحت أرجلهم، وأصبح هذا البساط (أي الأرض) وقفاً باسم الكنيسة المارونية!

وانظر أيضاً إلى أوقاف الشيعة الإمامية في العراق وإيران، تراها مستقلة لا يستطيع أحد من جانب السلطات أن يتلاعب بها، كما هو حال أوقاف أهل السنة في كل مكان. إن كل (آية) من آياتهم! وكل مرجع من مراجعهم يعتبر وزارة أوقاف مستقلة بذاتها! ولا أحد يجرؤ على التعرض لما يملك، ويديرون مؤسساتهم ويصطنعون النفوذ والتأثير في العالم، ولا أحد يشتكي أو يشك فيما يفعلون، ولم نسمع أحداً قال: أمموا أو جمدوا أموال الخوئي، والقزويني، والكاشاني، والكرماني، والشيرازي، والسيستاني، والحائري، والحكيم، والصدر، وفضل الله، وغيرهم وغيرهم [2] . حتى أموال حزب الله التي طالبت أمريكا الحكومة اللبنانية بضبطها ومراقبتها، فإننا نعتقد أن هذه المطالبة مجرد ذر للرماد في العيون، وإلا فإن هذا الحزب ومنذ أوائل الثمانينيات يمارس أعماله ونشاطاته علناً وتحت الشمس، بما يعرفه الجاهل والعالم، وينفق النفقات التي تعجز عنها الدول الغنية، وبما لا يخفى على أمريكا وغيرها ممن هم معنيون بمراقبة نشاط المسلمين. لكن الدعاية السوداء والمبالغة وتخويف العالم لا يتجه إلا إلى أموال أهل السنة، سواء على مستوى الجمعيات والهيئات، أو الأفراد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت