فهرس الكتاب

الصفحة 5024 من 27364

حين سيطرت الأنظمة والحكومات على أوقاف المسلمين؛ تلاعبت هذه الأنظمة بالأوقاف وصاية وإنفاقاً، فمن جهة الوصاية عينت لذلك وزيراً، وهذا الوزير لا بد أن يكون خاضعاً لما يمليه النظام العلماني اللاديني، وهو مسؤول أمام رئيس الوزراء الذي يبعد أن يكون له دور فاعل في توجيه المجتمع، وإنما هو مجرد منفذ لرغبات الحاكم الفرد المتأله، وحتى لو كان هذا الوزير شخصاً معمماً، أو ذا زي إسلامي، أو منتقى من مؤسسة إسلامية؛ فهذا لا يغير من الحقيقة شيئاً، فهو منفذ لسياسة الدولة العلمانية ولا يكون وزيراً إلا إذا حاز ثقة هذا النظام اللاديني.

وأما الإنفاق؛ فإن أموال الأوقاف كثيراً ما تسخر لخدمة مؤسسات النظام العلماني أيضاً، وما ينفق على الدعوة الإسلامية والخدمات الشرعية قليل جداً إذا قورن بغيره، ولا يوفر حداً أدنى من الحياة الكريمة لمن يعمل في حقل الدعوة والوعظ والإرشاد، أعني الأئمة والخطباء ومدرسي العلوم الشرعية. وهذه الفئة واقعة بين حجري رحى اجتماعية غريبة جداً في المجتمعات الإسلامية، فمن جهة لا تسمح الدول لهذه الطبقة بأن تندرج تحت سلم الوظائف المدنية الذي تعامل به الموظفين في مختلف الوزارات والمؤسسات، فكأنهم لاجئون من كوكب آخر لا حق لهم مثل غيرهم، وكانوا يعاملون على حسب ما كان معروفاً بقانون العمل، أي ما يعرف (بالمياومة) مثلهم مثل أي شخص يعمل عملاً مؤقتاً، حتى إذا انتهى العمل انقطع الأجر، وجلس العامل بطالاً ينتظر أن تأتيه فرصة من قبل أحد يطلبه لتادية عمل بأجرة يومية تنقطع بانتهاء ذلك العمل وهكذا..وليس له حق في تقاعد أو امتيازات مهما كانت، بل يستمر قائماً بالإمامة أو الخطابة أو الأذان حتى يموت.

والذي يوكل إليه تنفيذ هذا النظام الغريب غير العادل على العلماء هو وزارة الأوقاف. فهذه الوزارة تتجلى فيها الازدواجية المقيتة بشكل صارخ. والغريب أن لا يحس به إلا القليل ممن يعنيهم أمره، فالجهاز الوظيفي الذي يسير دوائر الأوقاف جهاز مدني مثل أي وزارة أخرى، ويعامل وظيفياً ومالياً كذلك، إلا ما له علاقة بوظائف المشايخ والعلماء فيكون هناك حساب آخر، وهو التضييق والتقتير. وفي هذا الجو التضييقي التقتيري وعلى هامشه وحوافِّه ينشأ العلماء، ويعيشون، ويتنافسون، ويتحالفون، وتدور خصوماتهم وحروبهم، وتستنزف طاقاتهم، فتسوء سمعتهم، ويقل تأثيرهم، ويضعف ما ترجوه الأمة منهم.

إن واقع العلماء هو نتيجة لا بد منها لما يضطرون إليه في سبيل لقمة العيش، حيث نرى أن الحكومات في بلادنا قد اهتمت بكل فئات المجتمع، ونظمت أعمالها، وكفلت لها حداً أدنى من العيش الكريم، إلا طبقة العلماء، حيث لم تكتف بإهمالها والنظر إلى دورها باستصغار واستهانة؛ بل إنها جردتها من حقها الذي خصص أول ما خصص لها وحدها، لتقوم بمهمتها خير قيام، بعيداً عن ذل الحاجة، وإراقة ماء الوجه، واللجوء إلى النفاق والتملق، والتدخل من أي طامع أو ظالم، فوضعت يدها على مال الأوقاف، وأنفقته في الوجوه التي لم يخصص لها، وعبثت به عبثاً لا يزال ينتظر من يدرسه ويكشف أبعاده وأساليبه.

لقد تنوعت أساليب العبث بأموال الوقف حسب نظام الحكم السائد في كل قطر، كنصب غير ذوي الأمانة قيمين وأوصياء عليه، والإنفاق منه على المرافق المحرمة، وتلاعب الدولة بتأجيره أو استثماره من إدارات أخرى، ومنح عقاراته لشراء المحاسيب والأنصار، وإخضاعه للقوانين المستوردة وجعلها حاكمة عليه، كقوانين ما يسمى بالإصلاح الزراعي والتأميم، والتصرف به على غير شرط الواقف...إلخ. والعجيب أن هذا العبث لا يصيب إلا الأوقاف الإسلامية وأوقاف أهل السنة بالذات، كما قدمنا..

ـــــــــــــــ

[1] - قد يعترض معترض بذكر أمثلة لعلماء ومواقف في هذه الفترة قد تخالف هذا الذي نصف، ولئن صحت هذه الأمثلة فإنها تعتبر نادرة وشاذة ولا تخالف هذه القاعدة.

[2] - وها نحن اليوم نرى حلقة في مسلسل هذه المأساة، وهي سيطرة الشيعة على أوقاف أهل السنة في العراق برعاية وحماية المحتل الأمريكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت