فهرس الكتاب

الصفحة 5101 من 27364

عبد الحليم غزالي

دينيز بايكال وتراجع مضطرد لحزب الشعب الجمهوري

تبدو نتائج الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة معبأة بالدلالات العميقة. وأول هذه الدلالات انتصار الثورة البيضاء أو الصامتة التي بدأها الإسلاميون الجدد المعتدلون في عام 2002 على العلمانية الإقصائية المتطرفة.. هذا الانتصار الذي يتكرر للمرة الثانية خلال أقل من خمس سنوات يعني أن تحول المزاج الشعبي تجاه الاعتدال والوسطية في مواجهة أقلية متسلطة لا تمتلك مشروعا قابلا للحياة في المستقبل هو أمر جدي وليس فورة احتجاجية عابرة.

ويصعب على المعارضة العلمانية بعد هذه الموقعة الحديث بلغة الجماهير والمظاهرات ما دام حزب العدالة والتنمية الحاكم قد نال هذا التفويض الشعبي الكاسح بحصوله على ما يعادل كل ما نالته أحزاب المعارضة مجتمعة، بل وحصل الحزب على أكثر من ضعف ما حازه حزب الشعب الجمهوري قائد المعارضة من أصوات رغم كل ما فعله في معركة الانتخابات الرئاسية من تحريض ضد حزب العدالة والتنمية بحجة أنه يحمل أجندة إسلامية خفية تهدد أسس الجمهورية الأتاتوركية.

انتصار تاريخي

إننا بكل المعايير أمام انتصار تاريخي، لكن لا يمكن القول بأنه حاسم لأن الطرف الآخر وهو المعارضة ومن ورائه المؤسسة العسكرية لم يعترفا بالهزيمة. ونظن أن المعارضة تبيت النية لمواجهات أخرى، ربما لمعركة رئاسة جديدة بعدما أعلن حزب العدالة والتنمية أن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية عبد الله جول لا يزال مرشحه المفضل لمنصب الرئيس سواء أجريت الانتخابات الرئاسية وفقا للنظام القديم بواسطة البرلمان، أو بالاقتراع الحر المباشر بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان المنقضية ولايته.

إنها المرة الأولى التي يزيد فيها حزب حاكم من شعبيته في تركيا منذ انتخابات عام 1969

حيث رفع غلته من أصوات الناخبين إلى 46.66% بما يزيد على 12% عن انتخابات عام 2002، وهي نسبة تعكس نجاحا كبيرا في إدارة المعركة الانتخابية التي كان الصراع الأيديولوجي والحضاري جوهرها رغم أنه لم يكن القضية الطافية على السطح في هذه المعركة، حيث كانت قضايا مثل الاقتصاد والمشكلة الكردية والمشروع الأوروبي والحجاب هي المهيمنة. ولابد من الإشارة إلى المجهود الذي بذله حزب العدالة والتنمية في الحملة الانتخابية والعمل المدروس الذي قام به، فقد طرح الاستقرار شعارا في مواجهة التغيير السلبي الهوجائي وفقا للصورة التي أشاعتها دعوات المعارضة للحلول مكانه في السلطة.

ومن المؤكد أن الحزب استفاد من صورة الضحية بتدخل الجيش وانحياز القضاء للمعارضة في معركة انتخابات الرئاسة التي أرغم فيها على سحب جول من السباق، رغم أهليته لمنصب الرئيس وفقا لقواعد لعبة الديمقراطية التي انقلب عليها العلمانيون بحكم قضائي غير عادل للمحكمة الدستورية، حسب آراء جل الخبراء القانونيين الموثوق بحيادهم في تركيا. كما استفاد أيضا من صورة المتعقل برفض الانجرار إلى حرب مظاهرات في الشارع ضد المعارضة التي سيرت مظاهرات شارك فيها مئات الآلاف. ويبدو أن هذه المعارضة بدت كمن كذب على نفسه وصدق الكذبة باعتبار هذه المظاهرات تعبيرا عن شعبية جارفة. وقد كان ملفتا توصيف السفير أونور أويمن نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري لنتيجة الانتخابات بأنها غير عقلانية أو غير منطقية، وهو تعبير عن الفشل حتى في تبرير العجز. ومن الطبيعي أن يمارس زعيم الحزب دينيز بايكال فعل الصمت بعد الهزيمة رغم الخطب التحريضية ضد حزب العدالة والتنمية منذ ما يقرب من عام ونصف العام.

وبالمقابل أثبت غريمه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أنه الرجل الأكثر شعبية في البلاد، وهو أمر تحقق بالجهد الهائل الذي بذله الرجل بالذهاب إلى المواطنين في القرى والبلدات والمدن النائية سعيا للإقناع المباشر بمشروع حزبه الاعتدالي الوسطي الواقعي، فضلا عن كاريزميته الصارخة.

ومما لا يمكن تجاهله في تفسير فوز حزب العدالة الكاسح وقوف طبقة رجال الأعمال بكافة فئاتهم بجانب الحزب الذي حقق الاستقرار الاقتصادي في البلاد، ونجح في الوصول إلى إنجازات ملموسة في هذا المجال على الرغم من أن رجل الشارع لم يشعر بها كثيرا، لكنه أدرك ملامحها في تقييمات المؤسسات الاقتصادية الدولية. ويبدو أن عوام الأتراك اقتنعوا بمنهج الإثمار الأكثر المتأخر بدلا من المكاسب السريعة التي قد تقود إلى أزمات وكوارث.

استخلاصات هامة

وثمة استخلاصات مهمة من نتائج الانتخابات التركية تتمثل في الآتي:

أولا: أن شعبية حزب العدالة والتنمية توزع بين كافة المناطق الجغرافية وكل الفئات التعليمية والعمرية حيث حقق فوزه في 69 محافظة من محافظات تركيا الـ 81، في حين فاز حزب الشعب الجمهوري في خمس محافظات غربي البلاد، وحزب الحركة القومية في محافظتين والمرشحون المستقلون ومعظمهم من الأكراد في خمس محافظات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت