فهرس الكتاب

الصفحة 5102 من 27364

ثانيا: أن عودة الأكراد للبرلمان تزامنت مع عودة مماثلة لحزب الحركة القومية، مما يؤكد تصاعد المد والاستقطاب القومي في البلاد في ظل تفاقم المشكلة الكردية وتفجر مظاهرها من عنف مسلح وفقر وحرمان وتخلف في مناطق جنوب شرقي البلاد، وهذه العودة بشقيها التركي والكردي تجعل هذه المشكلة حاضرة بقوة في جدول أعمال البرلمان الجديد.

ثالثا: البرلمان الجديد أكثر تعددية في التوجهات بالقياس للبرلمان القديم، بدخول القوميين الأتراك والأكراد أروقته، مما يثري الحياة السياسية في البلاد ويضفي عليها أجواء من الإثارة. في حين كان البرلمان القديم ثنائيا، إلى أن تشكلت ثلاث مجموعات برلمانية كلها كانت تنتمي ليمين الوسط في نهاية عام 2005، وذلك نتيجة لانشقاقات عن حزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري.

رابعا: قضت هذه الانتخابات تقريبا على أحزاب يمين الوسط التي ظلت لسنوات طويلة مهيمنة على الحياة السياسية في البلاد في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، حيث تعرض الحزب الديمقراطي وريث حزب الطريق القويم لهزيمة مذلة بحصوله على 5.41% من أصوات الناخبين بالقياس لأكثر من 9.5% في انتخابات عام 2002، مما اضطر زعيم

الحزب"محمد أغار"للاستقالة ليلقى مصير سلفه تانسو تشيللر التي دفعت ثمن الهزيمة السابقة. وبالنسبة لحزب الوطن الأم فقد كشف امتناعه عن خوض الانتخابات اعترافه بالعجز عن عدم قدرته على تخطي حاجز الـ 10 % من أصوات الناخبين المطلوبة لنيل التمثيل البرلماني، وبالتالي فإن حزب العدالة قد قضم جزءا كبيرا من شعبية تيار يمين الوسط الذي أصبح بلا لون مميز وسط حالة الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي الحاد في البلاد بين حزب العدالة والتنمية من جهة والتيارين العلماني والقومي اللذين يتسمان بالتشدد من جهة أخرى. أما عودة رئيس الوزراء الأسبق والزعيم السابق لحزب لوطن الأم للبرلمان بعد فوزه مستقلا فلا تعكس أكثر من حالة فردية. وفي كل الأحوال يصعب عودة أحزاب يمين الوسط لمواقف مؤثرة في الحياة السياسية التركية على الأقل في المستقبل القريب.

خامسا: تراجع شعبية حزب السعادة ممثل التيار الإسلامي المحافظ في هذه الانتخابات يثبت فشل هذا التيار في إقناع الشعب التركي بمبادئ وأفكار تبدو غير مقبولة في المجتمع التركي مثل الفكرة القومية الإسلامية والأمم المتحدة الإسلامية وحلف الناتو الإسلامي. ويكفي أن الحزب لم يحصل سوى على 2.34% من أصوات الناخبين رغم الهجوم الحاد الذي شنه قادته على حزب العدالة واتهامه ببيع البلاد لأوروبا والولايات المتحدة والتبعية لإسرائيل.

سادسا: أن حزب العدالة والتنمية ذاته قد أظهر تغيرا في هذه الانتخابات بضخ دماء جديدة، حيث قام بتغيير ما يقرب من نصف نوابه في البرلمان، ورشح وجوها معروفة بتاريخها العلماني لتأكيد أنه حزب الجميع. وهذا يعكس ذكاءً سياسياً وثقةً في دور الحزب حيث كانت هوية الحزب تسبق شخصية المرشح، الأمر الذي لم ينطبق على الأحزاب الأخرى.

سابعا: أثبت حزب الشباب ذا الميول القومية أنه أكثر الأحزاب شخصنة في تركيا، فقد صعد في انتخابات عام 2002 على كتف زعيمه الملياردير"جيم أوزان"الذي كان وقتها يمتلك إمبراطورية إعلامية تشمل قنوات تليفزيونية وصحفا وإذاعات، وحصل الحزب وقتها على

ما يقرب من 7.5% من أصوات الناخبين رغم أنه لم يكن قد مضى على تأسيسه سوى شهور، فاقت شعبيته ما حققته أحزاب عريقة مثل اليسار الديمقراطي والوطن الأم، وكانت شخصية أوزان ووسائله الإعلامية وأمواله وراء هذه النتيجة المفاجئة، لكن أوزان الذي وصف في مرحلة ما بعد انتخابات 2002 بأنه أخطر شخص على أردوغان سياسيا تعرض لحملة تصفية طالت شركاته ومؤسساته وإمبراطوريته الإعلامية، بسبب ممارسات فساد ومخالفات نسبت له، في حين أنه ادعى أنه جرى استهدافه لأسباب سياسية، وكان هذا هو تفسير تراجع نسبة حزبه في الانتخابات الأخيرة إلى حوالي 3% فقط من أصوات الناخبين.

ثامنا: أظهرت هذه الانتخابات أن وسائل الإعلام الجماهيرية ليس بإمكانها تغيير توجهات ومزاج الجماهير، فقد انحاز أغلب هذه الوسائل للمعارضة العلمانية والجيش في معاركه مع حزب العدالة والتنمية، لكن الحزب حقق مزيدا من الشعبية، مما يثبت مقولة أن اللعب بالصورة قد يهزمه ثبات الأصل والجوهر، كما أن الاتصال المباشر وجها لوجه أكثر تأثيرا من وسائل الاتصال الجماهيري، حيث اعتمد حزب العدالة على اللقاءات والتجمعات الجماهيرية وزيارة الناخبين في منازلهم.

تاسعا: رغم أن الجيش يتمتع بشعبية كبيرة بين مؤسسات الدولة ويحتل المرتبة الأولي، إلا أن هذه الشعبية لم تمنع المعجبين به من التصويت لحزب العدالة والتنمية رغم الصراع الأيديولوجي بينهما ودخولهما في مواجهات مباشرة، وهذا يعكس نضج الناخب التركي الذي يميز بين تقدير الجيش الوطني للبلاد والتعبير عن موقفه السياسي والأيديولوجي حتى لو كان مخالفا للجيش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت