فهرس الكتاب

الصفحة 5368 من 27364

جمال سلطان 27/11/1424

حتى لا تضيع الحقائق في واقعة المخطط الفرنسي لفرض حظر على حجاب المسلمات في المدارس بقوة القانون المزمع عرضه على البرلمان لإقراره ابتداءً من العام الدراسي المقبل، هناك نقاط أساسية ينبغي أن نتوقف عندها، خاصة وقد كثر الجدل والضجيج، وأوشكت بعض الحقائق أن تضيع، مما استدعى إثباتها هنا، للحقيقة والتاريخ.

النقطة الأولى: وتتعلق بالمفارقة الحضارية بين العالم الإسلامي وهو في طور الانحطاط، وبين العالم الغربي وهو في بقية من حضارة لها قيم تحاول أن تحافظ عليها؛ فإننا رغم إدانتنا الكاملة للموقف الفرنسي ومشروع القانون واعتقادنا الجازم بأنه عدوان على ديانة المسلم هناك، وحرمانه من حقوقه الدينية المشروعة تحت هواجس لا أساس لها ولا مبرر، إلا أننا لا يمكننا أن نتجاهل"حضارية"السلوك الفرنسي قبل إصدار القانون، فهناك اجتماعات متوالية مع الجالية المسلمة في فرنسا وممثليها، وهناك حوار إعلامي وصحافي واسع النطاق يمهد لغربلة الأفكار، وهناك حرص فرنسي ظاهر على التشاور مع المؤسسات والمرجعيات الإسلامية المهمة كما حدث مع الأزهر مؤخرًا، وهناك تشاور سياسي مع بعض الدول والنظم الحاكمة في العالم العربي والإسلامي، وذلك كله يحدث قبل أن يصدر القانون، وحتى قبل أن يعرض على البرلمان، بينما في العالم الإسلامي فوجئنا بشيخ الأزهر، وهو يرأس مؤسسة علمية ضخمة، لها هيئاتها الشرعية ومؤسساتها، ناهيك عن هيبتها في العالم الإسلامي -والتي باتت مهددة الآن- فوجئنا به يدعو الصحفيين لكي يعلن أمامهم دعمه للقانون الفرنسي وأن على المسلمات هناك طاعته ولا إثم عليهن لأنهن مضطرات، لم يستشر الرجل أحدًا، ولم يعبأ برأي عام، ولم يحزن لغضب المسلمين في فرنسا، ولم يكلف خاطره أن يستمع للرأي الآخر كما استمع للرأي الرسمي الفرنسي، بحيث يدعو ممثلين عن المسلمين الفرنسيين للتشاور والاستماع لوجهات نظرهم، لم يراع الرجل أي شيء، وإنما ألقى ببيانه الذي وصفته صحيفة"ليبراسيون"الفرنسية بأنه"شيك على بياض"من شيخ الأزهر للحكومة الفرنسية، بكل بساطة وباستبداد واستهتار بكل شيء وبكل من حوله وكل أطراف المسألة، هذه مفارقة مدهشة، بين عقلية تربت في أجواء القمع والاستبداد، وبين عقلية تربت في أجواء الحرية والتعددية والشورى"مع الأسف"التي نحن بها أولى.

ولعل هذه المفارقة تدعونا جميعًا إلى الانتباه إلى أهمية التأسيس في مشروعنا الإسلامي المستقبلي لثقافة الحرية والتعددية والحوار، فإنها -رغم كل سلبية يمكن أن تتمخض عنها- ستكون جسرنا إلى الحقيقة والكرامة واستقلال الإرادة الدينية والوطنية معًا.

النقطة الثانية: وهي ذلك التحالف المدهش والمفاجئ بين النخب الليبرالية واليسارية العربية وبين الحكومة الفرنسية في واحد من أسوأ مواقفها المدان حتى أوربيا بأنه ضد حقوق الإنسان، فبينما كانت النخب اليسارية في فرنسا ذاتها -ناهيك عن غيرها- تهاجم مشروع القانون وتتهمه بأنه انتهاك لحقوق الإنسان واعتداء على المواطنين المسلمين الفرنسيين؛ وجدنا اليساريين العرب عن بكرة أبيهم، يؤيدون القانون ويدافعون عنه وعن حكومة فرنسا"اليمينية"ويهاجمون المسلمين الفرنسيين ومعهم المسلمين في أنحاء العالم الذين حزنوا لما حدث أو احتجوا، مفارقة عجيبة، أيضًا على صعيد الليبراليين العرب والعلمانيين أصحاب دعاوى حقوق الإنسان، وقفوا جميعًا مؤيدين للقانون الفرنسي ومدافعين عنه، وقد سمعت بنفسي أحد شيوخ الليبراليين العرب في حديث تليفزيوني يؤيد الموقف الفرنسي، باعتباره انتصارًا للعلمانية والليبرالية، فلما واجهه المذيع بالموقف البريطاني والأمريكي وغيره الرافض لهذا القانون والذي يعتبره صراحة عدوانًا على حقوق الإنسان، قال بكل برود: إن العلمانية الفرنسية لها خصوصيتها مع احترامنا لوجهة نظر البريطانيين وغيرهم، أي أنه يتكلم كمندوب فرنسي أو دبلوماسي فرنسي، وليس كمفكر صاحب موقف"ليبرالي"داع إلى الحرية واحترام حقوق الإنسان، بالمقابل كان هناك هجوم واسع النطاق في أكثر من عاصمة أوربية من نخب ليبرالية ضد القانون الفرنسي؛ بل إن محكمة مجلس الدولة الفرنسي نفسها كانت أصدرت حكمًا فيما سبق ينفي بوضوح أن يكون ارتداء الحجاب فيه خروج على علمانية الدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت