منصف المرزوقي …
لقد تعودنا منذ عشرات السنين على دعم الإدارة الأمريكية لكل الدكتاتوريات العربية ومن بينها دكتاتورية صدّام حسين, فأصبحنا نضحك من سماع أي كلام صادر منها بخصوص دعم الديمقراطية في وطننا العربي, مثلما ما نسخر من وعودها بإحلال سلام عادل في فلسطين. فبالنسبة إلينا يدخل تحيّز أمريكا للاستيطان الصهيوني والنظام الاستبدادي العربي في جملة من ثوابت السياسة الأمريكية.
لكننا قد نخطئ في شكنا هذه المرّة لأن تاريخ هذه السياسة يعلّمنا أن أمريكا تستطيع أن تكون جادّة في فرض الديمقراطية. بالطبع لا علاقة للأمر بموقف مبدئي. فالمنطق القارّ في السياسة الأمريكية أنه لا تردّد في إجهاض الديمقراطية إن خالفت المصالح, مثلما حدث في بداية السبعينات عندما ضربت النظام المنتخب في الشيلي والنظام الإيراني في الخمسينات , كما لا تردّد في فرضها إن كانت تخدم هذه المصالح مثلما حدث في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية قد توصلت إلى استنتاج هام في هذه المرحلة من تطور علاقتها بمنطقتنا العربية والإسلامية, أن الديمقراطية هي التي ستخدم مصالحها أكثر من الدكتاتورية, بعد أن استنفذ النظام العربي الساقط كل طاقاته وأصبح عبأ لا معينا. لننتظر الانتخابات الرئاسية الجزائرية في ابريل المقبل, والتونسية في نوفمبر, حتى نحكم على مدى جدّية هذا التوجّه. لكن فرضا أن هناك نيّة"صادقة"لمراجعة الستراتيجية القديمة فإن الإشكالية الكبرى التي ستواجه هذا المشروع هي مع من ستبني هذه الديمقراطية المنشودة؟
لننظر إلى القوى السياسية في الساحة العربية ومدى إمكانية تقبلها للمشروع االذي لا يتصور أحد تحقيقه بدون طرف عربي يساهم في بلورته على أرض الواقع.
في البداية هناك الأنظمة . إنها لم تستجب يوما لمطالب شعوبها الملحة لتعديل ساعتها واللحاق بركب العصر والخروج بالشعوب والأمة من الانحطاط التي أوصلتها إليه. لكنها رفضت كلّ تغيير جوهري يمسّ بالثوابت والمقدسات: البقاء في السلطة إلى الوفاة وإذا أمكن توريثها, عدم المحاسبة والتحكّم في الإصلاحات بمنهجية الريّ بالقطرة قطرة. نحن إذن أمام أنظمة أثبتت أنها لا تصلح ولا تصلح (بضمّ التاء) . هل ستفلح الضغوط المرتقبة, خاصة الاقتصادية منها, لدفع الإصلاحات التي طال انتظارها؟ إن تجربتنا لأنظمة مستعدّة للتضحية بمصالح شعوب برمّتها من أجل بقاء بعض الأفراد في السلطة المؤيدة, تجعلنا نشكّ في رضوخها لضغوط لن تتضرّر منها مصالحها المعفاة من أي عقاب اقتصادي.
إنه من غير الجدّي, بداهة, المراهنة على قدرتها على تبني قواعد لعبة جديدة مآلها طال الزمن أو قصر إزاحة القائمين عليها من السلطة. أما وضع بعض المساحيق على نفس القناع البشع فلن يزيد الطين إلاّ بلّة. ولأننا لا نتصوّر أن أمريكا سترسل جيوشها لفرض رغبتها, فإن المتوقّع أن الدكتاتوريات العربية ستتعامل مع رغباتها كما تتعامل معها حكومة شارون بخصوص الملف الفلسطيني.
ثمة الطرف الإسلامي المتواجد بقوة متصاعدة. وباستثناء بعض الحالات الشاذة التي تحصى ولا يقاس عليها مثل حركة النهضة التونسية , فإنّ أغلب تنظيمات هذا التيار مناهضة للديمقراطية ومناهضة لأمريكا . ولأنها حاملة لبرنامج ورؤيا سياسية على طرفي نقيض من البرنامج الأمريكي فإنها ساعية وستسعى لضربه بكلّ الوسائل.
لم يبق لإنقاذ المشروع سوى الديمقراطيين العرب الذين يتشرّف كاتب هذه السطور بالانتماء إليهم. لكنهم وبغض النظر عن قدرتهم على مواجهة المدّ الإسلامي والحصن الدكتاتوري, آخر من يقبل الانخراط في المشروع الأمريكي وآخر من يستطيع المشروع الأمريكي التعويل عليهم. لنتذكّر أصول هؤلاء الديمقراطيين.
هم لم يولدوا على"العقيدة"الديمقراطية, إنما اعتنقوها بعد أن هاجروا إليها من الإيدولوجيات الكبرى التي كانت تسود وطننا العربي منذ الستينات أي الوطنية والقومية والاشتراكية. حصل هذا بعد اقتناعهم أن الخلل الأساسي في نظامنا السياسي العربي ليس الايدولوجيا وإنما الاستبداد. وثمة قاسم مشترك بينهم على تباين مرجعياتهم هو إيمانهم أن على الديمقراطية أن تكون أداة تحرّرنا من الاستبداد الداخلي والتبعية للخارج, انطلاقا من قناعة راسخة بأن الاستبداد استعمار داخلي والاستعمار استبداد خارجي.
إن وطنيتهم وقوميتهم تجعلهم مثلا من ألدّ أعداء التطبيع مع إسرائيل, خاصة في ظرف الاستئساد الشاروني, ومن ألدّ أعداء الاحتلال الأمريكي - البريطاني للعراق. ثمة أيضا بقايا هامة من ايدولوجيا التحرّر الوطني التي تطبع تفكيرهم وهي تحيّزهم للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لشعوبهم. يعني هذا أنّ ديمقراطيتهم أقرب إلى ديمقراطية الاشتراكيين السويديين والشهيد"أولاف بالم"منها إلى الديمقراطية كما تفهمها الإدارة الأمريكية.
كل هذا يجعل من المستبعد جدّا تلاقي الديمقراطيين الوطنيين مع المشروع الأمريكي.