فهرس الكتاب
إدريس الكنبوري 9/3/1424
شن رئيس الوزراء الفرنسي )جان بيير رافاران( يوم الخميس 3/4/2003 -خلال لقاء مباشر على القناة الفرنسية الفرنكوفونية الخامسة- حملة قوية على الحجاب الإسلامي في المدارس الفرنسية، وذلك في أول تصريح رسمي لمسؤول فرنسي حول قضية الحجاب، التي اختفت من النقاش الداخلي منذ نهاية التسعينات ؛ حينما شنت السلطات الفرنسية حملة عنيفة على المحجبات المسلمات .
وقال (رافاران) في معرض حديثه عن مشروع وزير الداخلية الفرنسي (نيكولاس سار كوزي) المتعلق بتشكيل مجلس موحد لمسلمي فرنسا وصلاحياته:"في أي جمهورية لدينا الحق في ممارسة شعائرنا الدينية، ولكن لدى ممارسة مواطنتنا لا يمكننا إظهار علامات تديننا أو انتمائنا الديني بشكل تفاخري"، وردا على سؤال إن كان سيتخذ قرارا بمنع ارتداء الحجاب كرر رئيس الوزراء الفرنسي:"بالتأكيد، بالتأكيد".
تلميحات (رافاران) في هذه الظرفية الداخلية والدولية تؤشر إلى حدوث تحول قريب في الموقف الفرنسي اتجاه مسألة الحجاب والجاليات الإسلامية في فرنسا، التي تقدرها المصادر الفرنسية ما بين أربعة وخمسة ملايين، جلهم متحدرون من منطقة المغرب العربي، وعلى الأخص من المغرب والجزائر. فهذه التلميحات تتزامن وسياقين هامين في الداخل والخارج: على المستوى الداخلي هناك المشروع الذي طرحه وزير الداخلية وشؤون الأديان الفرنسي (نيكولاس ساركوزي) قبل أشهر، حول تجميع مسلمي فرنسا في مجلس موحد يكون المخاطب الوحيد أمام السلطات الفرنسية، وعلى المستوى الخارجي فإن أحداث 11 سبتمبر 2001 قد ألقت بكثير من ظلالها على طبيعة التعاطي الرسمي للحكومة الفرنسية مع قضايا المسلمين بها، وأحدثت فرزا بين أنصار التدخل في قضايا الإسلام بفرنسا وأنصار الحرية الدينية.
تعديل قانون 1905!
في هذا السياق المزدوج طرحت في العام الماضي في فرنسا اقتراحات متعددة بتعديل قانون 1905، الذي يقضي بفصل الدين عن الدولة ، ورفع هذه الأخيرة يدها عن الشؤون الدينية ، سواء منها الرموز أو المراكز الدينية أو رجال الدين، وقد جاء هذا القانون بعد أربع سنوات من قانون آخر صدر عام 1901 يتعلق بحرية تأسيس الجمعيات الثقافية. ويشير الفصل الأول من قانون عام 1905 أو"قانون العلمانية"إلى أن"الجمهورية (الفرنسية) تضمن حرية الاعتقاد، وحرية ممارسة الطقوس الدينية"، بناء على الدستور الفرنسي ، الذي يشير إلى أن فرنسا"جمهورية علمانية تحترم جميع المعتقدات"، كما يقول الفصل الثاني من القانون المشار إليه إن"الجمهورية لا تعترف ولا تمول ولا تدعم أي معتقد". ويعتبر قانونا 1901 و 1905 مكسبا مهما للحريات الدينية والثقافية والفكرية في فرنسا بعد الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي، من دون أن يعني ذلك أن الحكومات الفرنسية كانت تلتزم بهما، خصوصا فيما يتعلق بالتعامل مع المسلمين والجمعيات الثقافية الإسلامية بفرنسا.
وقد انقسمت الآراء في فرنسا بين مؤيد ومعارض لتعديل قانون فصل الدين عن الدولة. إذ يرى الفريق المؤيد أن التعديل سيجعل الدولة الفرنسية قادرة على مراقبة شؤون الجاليات المسلمة التي يتزايد عددها، بحيث يعد الإسلام الديانة الثانية في فرنسا، وبالتالي التحكم في توجيه الحساسيات الإسلامية ؛ خوفا من"الإرهاب الإسلامي"، كما يرى أن تنامي الوجود الإسلامي في فرنسا عما كان عليه في الماضي يبرر مثل هذه المراجعة. ويقول عمدة"إيفلينس"وهو من أشد المدافعين عن اتجاه المراجعة"في عام 1905 كانت الحكومة ترى في الكاثوليك ألد أعداء الجمهورية، ويشكلون تهديدا حقيقيا، أما اليوم فإن الإسلام هو الذي أصبح يطرح هذه المشكلة".
أما منتقدو التعديل، وهم يعتبرون أقلية، فيرون أن ذلك يعد تراجعا خطيرا عن مكسب العلمانية ومبادئ الثورة الفرنسية، وبالتالي بداية تحيز الدولة إلى ديانة معينة لحساب ديانة أخرى، وتوجها نحو ضرب الحريات الدينية ، والتضييق على بناء المراكز الدينية والمساجد في المدن الفرنسية. ويربط هؤلاء بين سياسة وزير الداخلية الجديد (ساركوزي) المتعلقة بمسائل الأمن وحوادث العنف في المدارس والأحياء الشعبية الفرنسية ؛ وبين مشروعي التعديل وتأسيس المجلس الموحد لمسلمي فرنسا، باعتبار أن ذلك كله موجه إلى الجاليات المسلمة ؛ وخاصة منها المتمركزة في الأحياء الشعبية ، التي ركز عليها الإعلام الفرنسي كثيرا في الأشهر الأخيرة ؛ بحسبانها المراتع الأساسية لأعمال العنف والشغب، وترهيب الفرنسيين من الخطر الإسلامي.
من"الإسلام في فرنسا"إلى"إسلام فرنسا"!
ومنذ طرح مشروع (ساركوزي) في السنة الماضية بعد توليه منصب وزير الداخلية تحول الحديث عن الإسلام من"الإسلام في فرنسا"إلى"إسلام فرنسا"، ما يعني أن هناك سياسة جديدة للدولة الفرنسية ناحية الأقليات الإسلامية تهدف إلى وضع الإسلام تحت عين المراقبة والمتابعة ، وتسييج الوجود والأنشطة الإسلامية للجاليات المسلمة، ومحاربة ما أسماه (ساركوزي) "إسلام المغارات والمرائب"أو"الإسلام السري".