فهرس الكتاب

الصفحة 6197 من 27364

أما فكرة تجميع المسلمين الفرنسيين في مجلس أو هيئة موحدة فقد انطلق التفكير فيها في العام 1984 في عهد الاشتراكي (فرانسوا ميتران) ، حيث كان قد أعلنها وزير الداخلية آنذاك (بيير جوكس) ، لكنها لم تفعّل في ذلك الوقت، ربما تجنبا من الاشتراكيين الفرنسيين للمساس بـ"السياسة العربية"لفرنسا وموقعها في منطقة المغرب العربي، اعتبارا لأن أغلب المسلمين في فرنسا هم من المغاربيين. وفي بداية التسعينات عاد الحديث عن ضرورة تنظيم المسلمين في فرنسا على خلفية أحداث الجزائر والحرب الأهلية ، بعد انقلاب العسكر على الديمقراطية ، ونتائج الانتخابات التي حملت الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى البلديات ثم مجلس الشعب (البرلمان) ، وأطلقها وزير الداخلية الأسبق (جان بيير شوفنمان) ، لكنها توقفت لتعود من جديد عام 1995 مع وزير الداخلية في تلك الفترة (شارل باسكوا) المعروف بسياسته المعادية للمسلمين وللمهاجرين من العرب، والذي قال أثناء افتتاح مسجد (ليون) متوجها إلى المسلمين الفرنسيين:"إن تسرب تأثيرات مناقضة لتقاليدنا وقيمنا ومفهومنا لحقوق الإنسان والمرأة، وتنامي هذه التأثيرات في صفوف جاليتكم ستؤدي إلى مخاطر رئيسية بالنسبة للجالية أولا، وأيضا بالنسبة للتلاحم الوطني، وهذا ما لن نقبل أو نسمح به".

وقد عاد هذا الخطاب العدائي السابق إلى الظهور بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، وما فجرته من أجواء محتقنة في العلاقة بين الجاليات المسلمة في أوروبا وحكومات البلدان الأوروبية التي أصبحت أكثر فأكثر توجسا وخيفة من الوجود الإسلامي بها. ولعب الإعلام الفرنسي ؛ خاصة منه اليميني المتطرف دورا رئيسيا في التحريض على المسلمين بفرنسا، حيث نشرت العديد من المقالات والتعاليق والتحليلات التي نصحت بـ"ضبط"الوجود الإسلامي في فرنسا ، ووضعه داخل مربع بشكل يسمح بمراقبته من الانفلات والتطرف ، وإدماجه في النسيج الثقافي الفرنسي، كما لم يكن غائبا التلويح بإمكانية تعرض فرنسا لأعمال شبيهة بتلك التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية.

ضمن هذا السياق طرح وزير الداخلية (ساركوزي) مشروعه، متحدثا عن"إسلام فرنسا"متوافق مع"القيم الجمهورية"للجمهورية الفرنسية، وخال من"التوجهات المتطرفة"وموجود"تحت دائرة الضوء". وقد قاد (ساركوزي) مفاوضات شاقة طيلة أشهر مع أبرز ممثلي الجاليات المسلمة في مدن فرنسية عدة ؛ من أجل إقناعهم بفكرة إنشاء مجلس موحد للمسلمين ، على غرار المجلس الموحد لليهود الفرنسيين الذي أنشأه نابليون عام 1806. وفي 20 من شهر ديسمبر 2002 نجح (ساركوزي) في عقد لقاء بين ثلاث أكبر فيدراليات تمثل الجاليات المسلمة في فرنسا ، وتعكس الأطياف المتعددة (المغرب العربي، مصر، تركيا، الهند وباكستان) ، حيث تم الاتفاق على إنشاء مجلس موحد للمسلمين ، سيجري انتخاب أعضائه في النصف الثاني من شهر أبريل الجاري في 1500 مركزٍ ومسجدٍ في جميع أنحاء فرنسا.

ووفق ما صرح به وزير الداخلية الفرنسي ؛ فإن صلاحيات المجلس الجديد تتحدد في أن يصبح المخاطب الوحيد للحكومة الفرنسية ، والناطق باسم الجاليات المسلمة بكافة انتماءاتها القومية واللغوية، كما يختص المجلس بتكوين أئمة المساجد ، وقضية الذبائح الشرعية ، والحجاب والتعليم الديني وبناء المساجد والمراكز التعليمية الإسلامية ، وجمع وتوزيع الزكاة.

وحسب (ساركوزي) فإن قضية بناء المساجد وتعيين الأئمة - الذين صار يشترط فيهم الإلمام باللغة الفرنسية - ستكون أبرز قضية توكل إلى المجلس الجديد، إذ تسعى الحكومة الفرنسية إلى الحد من تدخل البلدان الإسلامية في شؤون الجاليات المسلمة عبر تمويل بناء المساجد وتعيين الأئمة.

تجدد الحملة على الحجاب

لكن تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي (رافاران) الأسبوع الماضي جاءت لترفع النقاب عن النهج الجديد الذي تريد الدولة الفرنسية السير فيه اتجاه الإسلام والمسلمين في فرنسا، وتعيد إلى الأذهان الحملات السابقة التي استهدفت الحجاب في السابق، عندما أصدر وزير التعليم والتربية الفرنسي (فرانسوا بايرو) في بداية التسعينات من القرن الماضي مذكرة بمنع ارتداء الحجاب في صفوف التلميذات المسلمات في المدارس والثانويات الفرنسية، الأمر الذي أثار الكثير من الجدل بين الفرنسيين والمسلمين على حد سواء.

وتقول بعض المصادر الإعلامية الفرنسية إن تصريحات (رافاران) ربما تشير من الآن إلى إلغاء القرار الصادر في 27 نوفمبر 1989 ، والذي يشير إلى أن ارتداء الحجاب"ليس معاكسا في ذاته للعلمانية"، وهو القرار الذي استند إليه مجلس الدولة الفرنسي في إلغاء القرارات الصادرة عن وزراء التعليم والتربية في الماضي بحظر الحجاب في المدارس والمؤسسات التعليمية. كما يمكن أن تطرح الحكومة الفرنسية خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة أمام البرلمان مشروع قانون جديد يحظر جميع العلامات والرموز الدينية، وعلى رأسها الحجاب الإسلامي، ولكن ليس كرمز ديني فقط، بل باعتباره مسا بحرية المرأة وبمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وهذا ينبئ بتجدد معركة الحجاب مستقبلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت