محمد جمال عرفة 1/7/1423
في خمسينيات القرن العشرين الماضي شنت الولايات المتحدة حملة اضطهاد ضد كل من تشك أنه شيوعي، حتى طالت الحملة أبرياء تم التحقيق معهم وظلمهم فيما اشتهر باسم (المكارثية) نسبة إلى المحقق الأمريكي الذي كان يدير هذه الحملة .
وقد ظلت هذه المكارثية ( معناه أصبح مرادفًا للاضطهاد والظلم) تلاحق تصرفات الإدارة الأمريكية نفسها في تعاملها مع القضايا العربية والإسلامية ، حتى تحولت مع انهيار الاتحاد السوفييتي إلى مكارثية دينية ضد العالم الإسلامي، تصاعد معها الخطاب المعادي للإسلام كدين، ولم يعد الأمر يقتصر على عداء المسلمين فقط ،ولكن امتد لنقد الإسلام -كعقيدة- ونبي الإسلام، وتعاليم القرآن !.
ولقد تجلت هذه المكارثية في لغة دينية عميقة من قبل الإدارة الأمريكية ، وحديث بوش عن شن حرب صليبية (C r USADE) ، كما أصبح الرئيس يخطب بمصطلحات دينية في كل خطبه ، ويستحضر دائمًا كلمات الإنجيل في الصراع بين الخير ( أمريكا) والشر ( الإرهابيون المسلمون) ، وكيف أن المسيحية انتصرت من قبل على هؤلاء الأشرار .
بل إنه في خطابه الأخير للشعب الأمريكي بمناسبة مرور عام على أحداث 11 سبتمبر قال للأمريكيين: ( هيا بنا نصلي ونقرع الأجراس ونضيء الشموع لتقديم مرتكبي العمليات الإرهابية للعدالة ) فيما وصف بأنه تحضير علني لضرب العراق !
وهنا لا يجب أن ننسى أن حزب بوش الجمهوري محافظ، وله روابط بما يسمى (التحالف المسيحي) ، ويتبنى غالبية أفكاره الدينية .
أيضًا كان القس (اشكروفت) الذي يتولي منصب وزير العدل أكثر مكارثية من بوش وكان له قاموس يتكلم به مليء بالمصطلحات الكنسية ،حتى أن أحد الصحفيين الأمريكان كتب يقول إنه الوحيد من الزعماء الذين وصفوا سقوطهم السابق في الانتخابات بـ"الصلب"صلب المسيح ،ووصف حادثة الترقية والصعود بعد الخسارة بأنها كانت كـ"إنقاذ ورفع المسيح وعروجه للسماء" (إذاعة"ناشيونال ببلك راديو"يوم الخميس 11/4/2002 م ) .
واشكروفت هذا كان أول من هاجم القرآن علنًا ، وهاجم دين الإسلام واعتبره دين الموت حيث قال: (إله المسيحية يضحي بابنه من أجل الحياة ..أما إله المسلمين فيأمرهم دينهم بأن يرسلوا أولادهم للموت ) .
وقد وصل الأمر بشخص يدعى (جيمس روبين) - المتحدث السابق باسم الخارجية الأمريكية، والنائب لوزيرة الخارجية السابقة (أولبرايت) في حكومة كلينتون- لكتابة مقال في جريدة (الجارديان) البريطانية شهر يوليه 2002 استقى فكرته من آراء رئيس الوزراء الصهيوني السابق (بنيامين نتنياهو) ينصح فيه العالم الغربي بأن يحافظ على المسلمين أذلاء وفقراء لأنهم (كلما تحرروا أو اغتنوا تمردوا ) .
ومعروف أن نتنياهو سبق أن تحدث أمام الكونجرس في غمرة الانتفاضة، داعيًا لتجفيف ينابيع الإسلاميين حتى يتوقف (العنف) ضد الإسرائيليين والأمريكان ، وطرح فكرة السيطرة على الثروة في بلاد الخليج العربي وإفقار السكان فيها ، ومنع خروج المعونات عبر الجمعيات الخيرية ، بل إن الفكرة ينفذها شارون حاليًا ضد الفلسطينيين باعتبار أن الجائع - كما يتصورون- لن يحارب وسيظل ملهيا بالبحث عن كسرة خبز .
ما هو هدفهم ؟
ومع أن بعض الدوائر الأمريكية دعت لعدم مهاجمة الإسلام كدين، معتبرة أن بعض أتباعه فقط هم الذين أخطؤوا ، فقد استمرت الحملة وتوسعت، وبدأ الكثيرون من المكارثيين بالدعوة إلى السعي لتشوية الدين الإسلامي في عيون المسلمين كي ينفضوا عنه !.
بل إن دوائر ثقافية أمريكية مؤثرة اعتمدت - كما تقول مجلة"موثر جونز"عدد شهر يونيه 2002 م - اعتمدت فكرة إشاعة التشكيك في القرآن من جانب المثقفين الغربيين ، وانتقدوا عدم قيام العالم النصراني والإعلام الغربي عقب 11 سبتمبر بـ"التشكيك في صحة القرآن"كحل لإنهاء التعصب الإسلامي وإيجاد بدائل له !.
وقد نجحت هذه الحملة في دفع العديد من الصحف والمجلات الأمريكية والغربية وكذلك العديد من القساوسة للهجوم علي الدين الإسلامي، واعتباره منبع الشر الذي يغترف منه"الإرهابيون"، وشاركهم مثقفون صهاينة بالتركيز على نموذج الاستشهادي الفلسطيني الذي يفجر نفسه، ويقتل نفسه بسبب تعاليم الإسلام .
ولذلك عادت القنوات التلفزيونية الأمريكية والمجلات والجرائد لنصب ما يمكن أن تسميه محاكمات للقرآن ،والهجوم عليه ، وظهر بعض القساوسة الشواذ ليهاجموا الإسلام والعرب بطريقة جنونية مثل القسيس"فالول".
بل إن الأمريكان بدأوا التحرك لشراء ذمم مسلمين وعرب بالمال؛ كي يسيروا في ركابهم ويهاجموا هؤلاء الإرهابيين المسلمين، فيأتي النقد من البلاد الإسلامية ليكون السم أنقع .