فهرس الكتاب

الصفحة 4148 من 27364

سينما هوليوود في خدمة"البيت الأبيض"

دعوات المقاطعة الشعبية للسلع والخدمات الأمريكية ليست مجرّد دعوة لدعم الانتفاضة، بل هي وسيلة أصبحت ملحّة ولا ينبغي الاستهانة بأهميتها للتحرر من الهيمنة الأمريكية. وإنّ العرب والمسلمين، لاسيما الجيل الشاب، الناشئ في ظلّ هيمنة العولمة بهوية أمريكية أو عولمة الهيمنة الأمريكية بحملات جديدة، إنّما يدينون بهذا المنظور لحدث الانتفاضة، وللوعي الشعبي الذي عبّرت عنه، والذي يحقق التضامن المطلوب من وراء سائر الحدود والحواجز، ولا ريب في أنّ المقاطعة شكل من الأشكال الحاسمة والفعّالة للوعي الشعبي والتضامن العربي والإسلامي، ومن أسباب تفعليها بيان الأضرار الكبرى التي ينشرها الارتباط التبعي بالولايات المتحدة في مختلف الميادين، العسكرية والسياسية والاقتصادية وكذلك الفكرية والاجتماعية التي قد تكون أخطر من سواها، نظراً لما تساهم فيه من صياغة الأفكار والأذواق والأحاسيس، وهذا ممّا تلعب الصناعة السينمائية الأمريكية فيه دوراً رئيساً.

يتصاعد البخار في مطابخ أفلام هوليوود من كثرة الطبخات التي تعَدّ فيه، فالتشكيلة واسعة ومتنوّعة: من قصة الحب السماوي إلى المعركة الزوجية الجهنمية.. ومن فيلم الرعب المفزع إلى الكوميديا الفكاهية الممتعة.. من أفلام الكاوبوي المغبّرة إلى أفلام الفضاء المستقبلية.. تقدَّم لجماهير السينما والتلفاز حسب الأذواق كأطباق خفيفة ذات روائح شهية، أو كأطباق مُبهّرة حادّة من الأفلام الأمريكية. أما العرض المغري على لائحة الطعام الذي يطلبه المشاهد الشاب فهو فيلم المشاهد السريعة الحركة، والذي يدعى action movie وهو في العاده مليء بالعمليات الإجرامية والاقتتال.

يتم إخراج هذا النوع من الأفلام من قِبَل كبار طبّاخي الأفلام الأمريكية مثل رولاند إمّريخ وولفجانج بيترسون وجيمس كامرون باستمرار. وتحصل أفلام (الأكشن) على طابعها الخاص باستخدام أدوات فنية مثيرة وأصوات غريبة ومشاهد مُبالغ فيها وتتميَّز بقصة رهيبة تجذب الانتباه التام خلال مشاهدة الفيلم حتى النهاية، وهذه القصص يجب النظر فيها للكشف عن السر الموجود خلف الوصفة الإنتاجية لهذه الأفلام.

حين ننظر لمنتجات سينما هوليوود في السنوات الماضية نلاحظ أن قصصها في الكثير من الأحيان ليست مأخوذة من الخيال فحسب، وإنما هي مستوحاة من أرض الواقع القائم، وهي أكثر من مجرد أفلام للتسلية، وتكون السياسة مِحور القصة والحدَث في أكثر الأحيان. ولكن أي نظرية تُقدَّم للمشاهدين في كل أنحاء العالم، بالصوت المجسّم وعلى الشاشة الكبيرة؟

القائمة طويلة والاختيار واسع

هناك تشكيلة رهيبة من المقبلات، ومنها مثلاً فيلم بموضوع كلاسيكي، يتحدث عن اختطاف طائرة من قبل إرهابيّين إسلاميّين متعصّبين (كالمعتاد) .. يختطفون طائرة جامبو مليئة بالركاب ويهدّدون من موقعهم هذا واشنطن بقنبلة غازية مدمرة للأعصاب. (Executive Decision, USA 1996)

ونتناول في الوجبة الرئيسة فيلماً موضوعه قضية تهريب أسلحة حيث تُسرَق قنبلة نووية من مخزن نووي روسي ويتم بيعها مع ثمان أخر للعراق، فيتمكن مجرم صربي من تهريب واحدة منها إلى نيويورك، كي يفجّر بها مركز الأمم المتحدة (The Peacemake r , USA 1997) .

ونختم الوجبة بتحلية فنختار فيلماً جاسوسياً خفيفاً، وقصته أن قنابل روسية (كالعادة) تقع بأيدي إرهابيين عرب (كالعادة) يهدّدون بتفجيرها لتخليص المعتقلين من جماعتهم من السجون الأمريكية (T r ue Lies, USA 1999) .

وجبات تتوافق تماماً مع أذواق الحكام في واشنطن، لأنها تحتوي على الشرّيرين (bad guys) الذين يوقعون الدنيا في حالة خوف وفزع، ولا يقدر عليهم سوى الأبطال الأمريكان (good guys) والذين يقضون عليهم باسم السلام العالمي وأمن الدولة.

ويرسم المخرجون في هوليوود مشاهدهم المرعبة فيصورون فيها موضوعات تشغل السياستين الداخلية والخارجية الأمريكية ومنها خطر انتشار الأسلحة وخاصّةً أسلحة الدمار الشامل وخطورة التجارة بالمخدرات والأخطر: الإرهاب الدولي، الذي يجب اتخاذ إجراءات وقائية منه، حسب خطة وزارة الخارجية. فمن هم الأعداء في سياسة واشنطن ليحصلوا على أدوار الشريرين في أفلام هوليود؟

في ظلّ التطورات على الساحة الدولية هم الآن إرهابيون خطيرون دوافعهم دينية أو أيديولوجية ومن المفضل أن يكونوا من"الشرق الأوسط"أو من أنحاء مجهولة في العالم الثالث المتخلّف الفوضوي.. وهؤلاء الآن الذين يعزّون هوليود في"حزنها"على افتقاد العدو الشيوعي المفضل، إلا أنها ترجع لإحيائه عند اللزوم في بعض الأفلام.

ليس من باب"الصدفة"أن يتم إعداد الأفلام على أساس عملي وحقيقي، وأن يكون هدفها في كثير من الحالات نشر تصوّرات ومصالح أمريكية، وهى تشرح وتثبت في رؤوس الناس ضرورة قيام الولايات المتحدة بدور أساسي في النظام الدولي لحماية الشعوب، وخاصّةً شعبها، مما تعتبره عدواناً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت