فهرس الكتاب

الصفحة 27104 من 27364

عبد الحق بوقلقول / الجزائر 13/7/1426

يبدو أن ورطة المحافظين الجدد في العراق صارت نكسة حقيقية ؛ إذ بعد أن كان مجرد الحديث عن إمكانية الإقدام على سحب القوات من هناك يسبب الكثير من المشكلات التي قد ترهن مستقبل أي ناشط في الحياة السياسية غرب الأطلسي، فإن الأمر صار الآن نقطة التقاء تجتمع حولها كل الآراء و العقول، ولا تختلف بينها إلا في لمسات طفيفة لا تعدو أن تكون عن كيفية القيام بذلك، ولم يعد سراً حالياً أن العملاق الأمريكي قد تعلقت أرجله بالوحل العراقي، ولا ينبغي لهذا الوضع غير اللائق بمشروع"القرن الأمريكي السعيد"أن يستمر.

في هذا الإطار جاء مقال أحد أساطين الدبلوماسية الأمريكية في العقود الأخيرة، وأحد أكثر الأسماء حضوراً في مسرح السياسة العالمية أيام الحرب الباردة، وهو هنري كيسنجر كاتب الدولة الأسبق للخارجية الذي خرج علينا بمقال نشرته صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ الثاني عشر من شهر آب/أغسطس الحالي تحت عنوان"دروس الانسحاب الإستراتيجي"، وهو مقال في عمومه لا يناقش فكرة الانسحاب -لأنها غدت أمراً غير قابل للنقاش- ولا يتطرق إلا لضرورة الإقدام عليها قبل التورّط أكثر في حرب توضحت أمارات الهزيمة فيها؛ لأنه يبتدئ طرح الإشكالية مباشرة بالاستناد إلى تصريح الجنرال جورج كيزي قائد جيش الاحتلال الأمريكي في العراق، والذي يفيد بأن:"الولايات المتحدة سوف تباشر سحباً جزئياً لقواتها مباشرة عقب تنصيب الحكومة الدستورية التي سوف تفرزها الانتخابات المقررة لشهر كانون الأول/ديسمبر القادم".

من هنا يطرح كيسنجر صلب المشكلة، ويقول: إنه وبناء على تصريحات كيزي فإن:"تحسن الوضع الأمني، واكتمال إعداد تدريب القوات العراقية سوف يسهلان هذا الانسحاب"، بما أنه لا يمكن في الوضع الحالي الحديث عن تحقق هذين المطلبين نظراً لتركز أعمال"التمرد"-كما يسميه- على تسريع هذا الأمر من دون أن ينسى أن يتطرق إلى أن"التمرّد يدرك أنه بتخفيضه لحجم استهداف القوات الأمريكية سوف يعطي الانطباع بأن الحالة صارت تسمح بالانسحاب".

كيسنجر الذي كان من أكثر المتحمسين لمشاريع الدمقرطة في العراق - بالمفهوم الأمريكي طبعا - بات الآن يدرك حجم الخطر الذي يتهدد المفاهيم الأمريكية برمتها؛ لذلك فإنك تجده هنا يحاول إجراء مقاربة بين الحالة العراقية، و الحالة في فيتنام خلال القرن الماضي ، حيث كانت القوات الأمريكية قد واجهت جحيماً لا يُطاق جعل كل مؤسساتها محل هزات كبيرة لم تنته إلا بسيناريوهات تجميلية ، اقتضت سحباً مهيناً لثقلها من ذلك الأتون الملتهب في جنوب شرق آسيا مثلما يذكر الجميع.

الجديد في المقالة التي أعدها كيسنجر هذه المرة هو الإسقاطات الدقيقة التي حملها، ونقاط الشبه الكبيرة بين الحالتين العراقية و الفيتنامية، على الرغم من أن صاحبه لم يتورع عن الاعتراف بالقول:"بالنسبة لشاهد عاصر تلك التحولات التي رافقت التدخل ثم الانسحاب من فيتنام مثلي، تأتي تصريحات كيزي لتحرّك ذكريات مؤلمة. إنه وبالرغم من أن الحرب ما زالت مستمرة فإن هذا الكلام قد يعدم حظوظنا في النجاح"، وهو هنا لا يريد أن يقول بأن الولايات المتحدة منهزمة حالياً بكل ما للكلمة من معنى، فتراه يتفادى ذلك ليقفز منبهاً إلى:"إن سحب أي جندي من العراق سوف لا يعني غير رفع النسبة المئوية للمنسحبين في مقابل مجموع الباقين هناك، وبالتالي خفض قدرة القوات العاملة هناك على التعامل مع الواقع، أي جعل التحليل الإستراتيجي يصير عملاً ارتجالياً".

في مقابل مثل هذه المعوقات التي ستواجه القوات الأمريكية في العراق، يجري كاتب الدولة الأسبق مقارنة بين قرار أمريكا في فيتنام بمحاولة تعويض قواتها هناك بقوى محلية - فيما عُرف تاريخياً بسياسة"الفتنمة"- و هي السياسة التي يقول عنها: إنها كانت قد حققت نجاحات كبيرة:"قامت الولايات المتحدة بين عامي 69 و 1972 بسحب ما مجموعه نصف مليون جندي، و هذا ما جعل من قضية مشاركة الأمريكيين في المعارك البرية أمراً منتهياً منذ سنة 1971، و هذا كان قد تم فعله بطريقة السحب البطيء، بمعدل (400) جندي أسبوعياً في البداية، ثم بواقع (20) جندياً في الأسبوع مع بداية عام 1972".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت