فهرس الكتاب

الصفحة 27105 من 27364

النتيجة التي حققتها تلك السياسة كانت على حسب كيسنجر:"الخلاص النهائي من خطر حرب العصابات بعد فشل هجمات Tet في 1968"وعلى الرغم من أن القول هنا بفشل تلك الهجمات المركزة لقوات الشماليين لا يعدو أن يكون تغطية متعمدة من قبل هذا الدبلوماسي على إخفاقات أمريكية لم تعد سراً على أحد، إلا أن ما يهمنا هنا هو الإسقاط الصريح الذي تحمله المقارنة؛ فكيسنجر مثلما حاول تغطية الفشل الأول يحاول فعل نفس الشيء مع الحالة الراهنة؛ إذ من غير المعقول أن يعترف مثله بهذا حتى و إن قال صراحة: إن"الحالة الأمنية في سايجون و في باقي المراكز الحضرية كانت أفضل بكثير من الواقع الأمني في العراق الآن؛ لأن الموظفين الأمريكيين هناك كانوا يملكون القدرة على التحرك و التجوّل في الشوارع من غير الحاجة إلى التفكير في حمل السلاح، ولا في اصطحاب الحراسة الأمنية؛ بما أن سايجون كانت تملك القدرة على مراقبة نحو 80 % من تراب فيتنام زيادة على أن الجبهة كانت تُرسم من خلال خطوط واضحة تماماً، و حينما استطاع الجنوبيون بمساعدة أمريكية طبعاً، أن يردوا هجمات الشماليين صار هؤلاء الأخيرين يقبلون شروطاً سبق لهم رفضها قبل أربع سنوات من ذلك، مما يعني نجاح سياسة الفتنمة"و لكنه يصر على تبرير الهزيمة التي مرّغت سمعة أمريكا ثلاث سنوات بعد ذلك، فتجده يعزوها إلى الحالة الداخلية المتصدعة في الولايات المتحدة:"كان من الممكن الحفاظ على نجاح الفتنمة لولا أنه -وبعد زمن قليل من ذلك- قام الشماليون بالهجوم في الوقت الذي كانت أمريكا تشهد حالة إعياء نتيجة فضيحة ووترغيت، و قيام الكونجرس بتوقيف كل أشكال الدعم العسكري زيادة على أنه لا أحد من الأطراف التي كانت تضمن اتفاقية باريس فعل أي شيء".

النتيجة التي يخلص إليها صاحب هذه الدروس المجانية هنا قوله:"في الحالة العراقية الراهنة يمكننا الخروج من الدرس الفيتنامي بمبدأين اثنين هما: لا يمكننا الحفاظ على النجاح العسكري حينما نخفق في الحفاظ على السند الداخلي، بالإضافة إلى ضرورة تشجيع عملية إيجاد أرضية دولية يتمكن العراق من خلالها أن يتبوأ مكانته فيها".

إن وقائع التاريخ لا تكرر نفسها بذات الشكل دائماً، و بالتالي فإن كيسنجر لا يفوّت هذه الملاحظة ليقول:"لقد كانت حرب فيتنام حلقة من مسلسل الحرب الباردة، بينما العراق هو حلقة من الحرب على الإسلام الأصولي، و خلال الحرب الباردة كان المهم هو ضمان بقاء الدول (الحرة) المتحالفة مع الولايات المتحدة و الواقعة في المحيط الدائر بالاتحاد السوفييتي"، و هنا مكمن الإشكال بما أن معايير تلك الفترة كانت واضحة، ولا تحتمل تفسيرات كثيرة؛ لأن المصالح الإستراتيجية كانت بينة، والكل كان يسعى إلى تحقيق نفوذه وإدامة نقاط قوته؛ مما يعني أنها كانت حرباً تتركز حول مفاهيم جيوسياسية بحتة بخلاف الراهن الذي يدور حول صدام أيديولوجي يقول عنه الكاتب:"صدام بين ثقافات و معتقدات دينية"مما يعني اعترافاً صريحاً ببطلان مزاعم الدمقرطة و نشر قيم الحرية، مثلما يريد البعض أن يفهمنا.

و لأن القضية تتعدى مجرد الوضع في العراق بالنظر إلى الامتداد الشاسع للرقعة الإسلامية فإن كيسنجر يطرح هنا النتيجة الأهم في مقاله حينما يقول بصريح العبارة:"سيكون لنتائج الأحداث في العراق معانٍ أكثر بعداً من نتائج فيتنام، إن قيام دولة من نمط طالبان أو أي نموذج أصولي آخر في بغداد أو في أي جهة أخرى من العراق سيُولّد موجات ارتداديّة يصل مداها إلى كل العالم الإسلامي، و هذا سبب قول أولئك الذين عارضوا هذه الحرب من بدايتها بأن المخرج الكارثي من المأزق العراقي سيكون ذا آثار خطيرة جداً على السلم بكوكبنا الأرضي -بخلاف فيتنام-".

في هذا الإطار، يتولى كيسنجر مهمة توضيح المأزق فهو، وفق رأيه، يمثل حالة عسكرية معقدة تجعل من العملية الأمريكية هناك أمراً بالغ الصعوبة لأسباب يحصرها في مشكلة جوهرية مفادها أن قوة التمرد في العراق ترجع إلى كونها لا تمثل خط جبهة واضحاً؛ لأن مجال المعركة واسع؛ ويتوزع على كل الأمكنة، وهذا ما يضع الأمريكيين في حالة قتال مع جهة أهدافها -على رأيه- أربعة:

1-طرد كل الأجانب خارج العراق.

2-الانتقام من أولئك العراقيين الذين يتعاونون مع المحتلين.

3-إيجاد حالة من الفوضى تسمح بإقامة حكومة مكونة من إسلاميين مما يعني نموذجاً يحرك الحساسيات الإسلامية في باقي الدول المسلمة.

4-تحويل العراق إلى قاعدة تدريب و إعداد للمعارك المقبلة التي ستكون،على ما يبدو، -حسب كيسنجر دائماً- في مصر و الأردن و المملكة العربية السعودية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت